سنة 1931 أشرقت شمس الشاعر الشفشاوني عبد الكريم الطبال لتنير مسافات الشعر المغربي الحديث، هذا الرجل الذي لم تكن ولادته مجرد حدث عابر في سجلات الزمن، بل كانت إعلانا عن ميلاد لغة جديدة تتنفس برئة الجبل وتستمد صفاءها من خرير منبع رأس الماء، نشأ الطبال في حضن “عقبة السوير” حيث الأبواب تهمس بحكايات العابرين والبئر تتوسط الدار كعين ترقب أحلام طفل أسمر نحيل، هناك تشكلت وجدانه الأولى بين جدران الكتاب المفعمة برائحة الصمغ وأصداء الآيات وبين فضاءات فاس وتطوان التي صقلت معرفته في رحاب القرويين والمعهد العالي، ليعود في الأخير إلى معتزله الشفشاوني حاملا جعبة مليئة بالرؤى والأسفار الروحية.
الطبال، انطلقت رحلته الإبداعية في أواخر الأربعينيات حين بدأ ينشر شذراته الأولى التي كانت تبشر بميلاد عملاق لا يرضى بالنمطية السائدة، فكان من الأوائل الذين أرست أقدامهم دعائم الحداثة الشعرية في المغرب من خلال تأسيس مجلة “الشراع” وإطلاق مهرجان شفشاون الشعري الذي صار محجا لكل عشاق الكلمة، لم يكن شعره مجرد رصف للألفاظ بل كان نحتا في الذاكرة الجمعية واستنطاقا لجماليات الطبيعة التي يراها بعين القلب لا بعين البصر، ظل وفيا لمدينته التي يرفض مغادرتها إلا لماما مؤكدا أن علاقته بها هي علاقة الغصن بالشجرة والماء بالغيمة، أينما حل وارتحل تظل “الشاون” حاضرة في حقيبته وفي إيقاع قصائده التي لا تشبه إلا نفسها.
يتميز أسلوب الطبال بكونه “شاعر الكلمات المحسوبة” حيث تفيض نصوصه ببساطة عميقة تخلو من التكلف والزيف وتلامس جوهر الوجود الإنساني، هو القائل إن الشاعر لا يكتب للآخر بل يكتب لنفسه بلغة تشبهه في صفائها ونقائها، لذا نجد قصائده تبتعد عن صخب الأيديولوجيات وضجيج المنابر لترتمي في أحضان التصوف الإشراقي الذي استلهمه من كبار العارفين أمثال ابن عربي وجلال الدين الرومي، تتحول الصورة لديه إلى معراج روحي يربط المرئي باللامرئي ويجعل من الأشياء العادية كائنات تضج بالحياة والدهشة، فكل بسمة طفل أو تلويحة عابر في ساحة “وطاء الحمام” هي مشروع قصيدة كونية تختزل أوجاع البشرية وأفراحها في آن واحد.
وعبر مسار طويل امتد لأكثر من سبعة عقود أهدى الطبال للمكتبة العربية دواوين خالدة بدأت بـ “الطريق إلى الإنسان” وتواصلت مع “الأشياء المنكسرة” و”البستان” وصولا إلى “نمنمات” و”في قارب واحد”، في كل عمل جديد كان يثبت أنه طفل لا يكبر وشيخ لا يشيخ يسكن داخل نصوصه كما تتوحد جذور الأشجار بالتربة، أعماله الكاملة التي صدرت مطلع الألفية هي سجل حافل بالتحولات التي طرأت على القصيدة المغربية من الرومانسية الواقعية إلى الرؤيا الصوفية الشاملة، ظل ممارسا لتأثيره الهادئ على الأجيال المتعاقبة من الشعراء الذين رأوا فيه الأب الروحي والقدوة التي لا تساوم على الجمال الفني والالتزام الوجداني بقضايا الإنسان.
وتوجت مسيرته الحافلة بالعديد من الجوائز الرفيعة التي أنصفته كأحد كبار المبدعين العرب حيث نال جائزة المغرب للكتاب مرتين وجائزة الأمير عبد الله بن فيصل للشعر العربي، كما حظي بتكريم خاص في مهرجان أصيلة بجائزة “تشيكايا أوتامسي” تقديرا لعطائه المستمر الذي لم ينضب رغم تقدم السنين، هذه التتويجات لم تكن لتغير من تواضعه الجم أو من طقوسه اليومية البسيطة التي يمارسها بانتظام، فهو ما يزال ذلك “المشاء النبيل” الذي ينهض باكرا ليتفقد أحوال مدينته ويصعد العقبات نحو سمائه القريبة، ثم يجلس في مقهاه المعتاد بساحة المدينة يراقب العالم في صمت مهيب ينم عن حكمة بالغة ومعرفة لدنيا عميقة.
ويتجلى في تجربة الطبال مساران متكاملان يصعب الفصل بينهما، مسار اجتماعي ينحاز لليومي والعابر بلغة طازجة تلونها أقواس قزح، ومسار رمزي يغوص في غمار المطلق والمجهول باحثا عن حقيقة الأشياء خلف حجاب المادة، هذا التمازج جعل من شعره “غيمة لكل الفصول” تمطر حبا وتأملا في كل من يقرأها، هو لا يكتفي بالوصف بل يبتكر العالم من جديد من خلال “القصيدة المعراجية” التي تحلق عاليا في سماوات الوجد، يظل مسكونا بطفولته التي يعتبرها حاجة وجودية لاستعادة الذات من نسيان الزمن، فكل ما يكتبه هو محاولة دائمة لإحياء ذلك الطفل الذي كانه ذات يوم في دروب شفشاون الضيقة.
إن الحديث عن عبد الكريم الطبال هو حديث عن “ولي صالح” في محراب الكلمة يوزع النور والمحبة على مريديه من القراء والمبدعين، صفحته على “الواتساب” اليوم تحولت إلى بستان يزهر بالحكايات الحكمية والإشراقات التي تعيد ترتيب العالم بلمسة شاعر، هو المكان وابن المكان وسيد المكان الذي استطاع أن يحول جغرافيا “الشاون” إلى فضاء شعري كوني يتسع للجميع، روحه التي تحمل عذوبة الماء وفصاحة البرق تظل منارة تهتدي بها الأجيال الباحثة عن الصدق الفني والعمق الإنساني، يظل شامخا كجبال مدينته متجددا كأنهارها لا يزيده خريف العمر إلا وسامة وبهاء في أعين محبيه.
هكذا يبقى “ناسك الجبل” ينسج خيوط الشمس ويحولها إلى قصائد تضمد جراح الروح وتفتح نوافذ الأمل في زمن أغبر، يرمي بالورد على العابرين ويصافح ضفائر الشمس كل صباح بابتسامة لا تغادر محياه، هو الذي علمنا أن الطريق إلى من نحب يبدأ من الداخل وأن القدمين قد تكونان مغمضتين لكن القلب يبصر ما وراء الأفق، سلام على عبد الكريم الطبال في خلوته المليئة بالضجيج الجميل وفي صمته الذي ينطق بألف لغة ولغة، وسلام على شفشاون التي أهدتنا هذا الكنز الثمين الذي لا يفنى بمرور الحقب بل يزداد بريقا كلما أوغلنا في قراءته وتأمله.

