يستعد آلاف المواطنين المنحدرين من إقليم شفشاون لشد الرحال نحو مداشرهم وقراهم مع اقتراب عيد الفطر، إلا أن هذه الرحلة السنوية لم تعد مجرد مناسبة لصلة الرحم بل أضحت كابوسا يؤرق الجيوب بسبب الانفلات الصارخ في تسعيرة النقل الطرقي، حيث يسجل المهنيون في كل موسم قفزات غير قانونية تتجاوز في غالب الأحيان أربعين درهما إضافية على التذكرة العادية، مستغلين في ذلك ذروة الطلب وغياب البدائل المتاحة أمام المسافرين الذين يجدون أنفسهم مضطرين للرضوخ لابتزاز أصحاب الحافلات وسيارات الأجرة، وهذا الوضع الشاذ يتكرر بشكل دوري دون وجود رادع حقيقي يضع حدا لهذه الممارسات التي تضرب في العمق القدرة الشرائية للأسر وتستنزف مدخرات العمال والطلبة الراغبين في قضاء العيد بين ذويهم.
وتتزامن هذه الزيادات الموسمية مع سياق دولي ووطني يتسم بارتفاع مضطرد في أسعار المحروقات، حيث قفز سعر لتر الغازوال إلى مستويات قياسية متجاوزا حاجز عشرة دراهم ونصف، مما منح الضوء الأخضر للمضاربين لتبرير زياداتهم العشوائية تحت غطاء تكاليف الوقود المحترقة، كما أن المهنيين في قطاع النقل الطرقي بإقليم شفشاون وجدوا في التوترات الجيوسياسية الراهنة ذريعة إضافية لرفع السقف عاليا، فأصبحت الرحلة نحو مراكز مثل الجبهة أو بني أحمد أو باب برد تتطلب ميزانية استثنائية تفوق طاقة المواطن البسيط، وهو ما يعكس استغلالا بشعا للأزمات الدولية لتعميق جراح الطبقات الهشة التي تعاني أصلا من تبعات التضخم والغلاء الشامل في مختلف المواد الاستهلاكية.
ولا يقتصر التلاعب في الأسعار على النقل العمومي المهيكل فحسب، بل يمتد ليشمل شبكات النقل السري التي تنشط بقوة في المسالك الوعرة للإقليم، إذ يفرض هؤلاء تسعيرات خيالية تتجاوز في كثير من الأحيان ضعف الثمن المعمول به في الأيام العادية، مستغلين نقص حافلات النقل الحضري والقروي وتكديس الركاب في ظروف تفتقر لأدنى شروط السلامة، إن غياب الرقابة الصارمة في المحطات الطرقية ونقاط الانطلاق الكبرى يفتح الباب على مصراعيه أمام “شناقة” التذاكر الذين يتحكمون في بورصة الأسعار بعيدا عن أي ضوابط قانونية، مما يحول فرحة العيد إلى عبء مادي ونفسي يثقل كاهل المهاجرين الداخليين من أبناء “الجوهرة الزرقاء”.
ويقتضي الوضع الراهن تدخلا حازما من طرف السلطات الإقليمية والمحلية لضبط إيقاع التسعيرة وحماية المسافرين من هذه “المقصلة” المادية، فمن غير المقبول أن تظل تعرفة النقل خاضعة لمزاجية المضاربين الذين يرفعون الأثمان بنسبة تزيد عن أربعين درهما في غفلة من القانون، إن تثبيت لجان للمراقبة الدائمة في المحطات الطرقية وتفعيل الخطوط الساخنة للتبليغ عن التجاوزات أضحى ضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى من كرامة المواطن، كما يتوجب على الحكومة وضع استراتيجية واضحة لدعم النقل الطرقي خلال المناسبات الدينية لضمان وصول أبناء القرى إلى قراهم بكرامة وبأسعار عادلة، بعيدا عن منطق الاستغلال الذي يزدهر في مواسم الفرح واللقاء.

