يعيش إقليم شفشاون على وقع نزيف متواصل للهجرة القروية نحو المدن الكبرى، في مشهد بات يهدد البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، فالأسر لم تعد ترى خيارا أمامها سوى الانتقال إلى الحواضر، بحثا عن مستقبل أفضل لأبنائها في مجال التعليم، بعدما أصبح الولوج إلى المدرسة في القرى مهمة شاقة تكاد تكون مستحيلة.
ففي عدد من الدواوير، يضطر التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام للوصول إلى المدرسة، في ظل غياب النقل المدرسي وتدهور البنية التحتية، وتزداد المعاناة مع قسوة الطقس والانقطاعات المتكررة للدراسة، ما يدفع العديد من الآباء إلى التضحية بالاستقرار القروي والنزوح إلى المدن، حيث المدارس أقرب والخدمات التعليمية متوفرة نسبيا.
وهذه الوضعية ليست معزولة عن السياق الوطني، إذ أكدت المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الأخيرة الصادرة اليوم الثلاثاء 09 شتنبر 2025 أن الفقر والهشاشة ما يزالان متمركزين بشكل هيكلي في الوسط القروي، فرغم التقدم الكبير في محاربة الفقر المدقع وتحسين مؤشرات التنمية البشرية، إلا أن الفوارق المجالية تظل عائقا حقيقيا أمام تكافؤ الفرص بين سكان المدن والقرى.
المذكرة نفسها أوضحت أن الفقر المطلق ارتفع من 1,7% سنة 2019 إلى 3,9% سنة 2022، وأن نسبة الفقر في القرى بلغت 6,9%، مقابل 2,2% في المدن، كما أشارت إلى أن التعليم يُعتبر من أبرز مكونات الفقر متعدد الأبعاد، حيث يساهم بنسبة تقارب 47,5% في استمرار الهشاشة، خصوصاً في المناطق النائية التي تعاني من ضعف البنيات التعليمية.
ونزوح الأسر القروية نحو المدن لا يعكس فقط معاناة مع المدارس البعيدة وانعدام النقل، بل يجسد أيضا اختلالات هيكلية في توزيع الخدمات الأساسية بين الوسطين الحضري والقروي، فالمندوبية السامية للتخطيط حذّرت من تعميق هذه الفوارق، مؤكدة أن النمو الاقتصادي الذي يحققه المغرب لن يكون مجدياً إذا لم ينعكس على تحسين حياة جميع المواطنين بعدالة وإنصاف.
اليوم، باتت هجرة سكان البوادي، وخاصة في إقليم شفشاون، تنذر بخسارة مزدوجة: فراغ القرى من شبابها النشيط، وضغط متزايد على المدن التي تستقبل موجات متلاحقة من المهاجرين الداخليين، وهي معضلة لن تجد طريقها إلى الحل إلا عبر سياسات تنموية مندمجة تستحضر العدالة المجالية، وتوفر للمواطنين القرويين حقهم في تعليم جيد وخدمات أساسية تحفظ كرامتهم وتحد من نزيف الهجرة.

