يشهد قطاع الصحة بالمغرب واحدة من أعمق التحولات الهيكلية في تاريخه الحديث، عقب دخول القانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية حيز التنفيذ بموجب الظهير الشريف رقم 1.23.50 الصادر في 28 يونيو 2023.
ويأتي هذا الإصلاح ضمن التوجهات الملكية الرامية إلى إرساء منظومة صحية وطنية أكثر نجاعة وإنصافا، من خلال تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، باعتبارها إحدى ركائز الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية.
القانون الجديد ينص على إحداث مجموعة صحية ترابية بكل جهة من جهات المملكة، باعتبارها مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتخضع لوصاية الدولة والمراقبة المالية وفق القوانين الجاري بها العمل،
وتهدف هذه المجموعات إلى تنفيذ السياسة الصحية للدولة على المستوى الجهوي، من خلال تنظيم عرض العلاجات، وتنسيق مسار الخدمات بين المؤسسات، وضمان استمرارية الرعاية والعدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية.
أول تجربة عملية
تم اختيار جهة طنجة-تطوان-الحسيمة كنموذج أول لتفعيل المجموعات الصحية الترابية، حيث عُقد أول اجتماع لمجلس إدارتها يوم الاثنين 28 يوليوز 2025 بطنجة، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي وعدد من المسؤولين الجهويين.
في هذا الاجتماع، تمت المصادقة على برنامج العمل وميزانية سنة 2025، ومناقشة الهيكل التنظيمي للمجموعة، التي تضم كافة المؤسسات الصحية العمومية داخل النفوذ الترابي للجهة، باستثناء المستشفيات العسكرية والمكاتب الجماعية لحفظ الصحة.
وأكد الوزير التهراوي في تصريح بالمناسبة أن “المجموعات الصحية الترابية ستمكّن من تحسين العرض الصحي وجودة الخدمات وتجويد استغلال الموارد المتاحة، من خلال حكامة ترابية جديدة تسمح بتجميع البنيات الصحية في إطار هيكل موحد”.
وأضاف أن اختيار جهة الشمال يأتي بالنظر إلى التفاوتات القائمة في العرض الصحي بين مدنها، مبرزا أن التجربة ستشكل نموذجا قابلا للتعميم على باقي جهات المملكة.
شفشاون في قلب الهيكلة
في إطار هذه الدينامية، شهد إقليم شفشاون خطوة تنظيمية مهمة تمثلت في تعيين الدكتورة سارة هند جعفر مديرة بالنيابة للمنطقة الصحية لشفشاون، وذلك ضمن تنزيل النظام التنظيمي الجديد المعروف اختصارا بـ GTS (Groupement Territorial de Santé).
وتشرف الدكتورة جعفر، إلى جانب مهامها كمديرة لمستشفى محمد الخامس بشفشاون، على إدارة المنطقة الصحية الجديدة التي ستضم مجموعة من المراكز الصحية والمستشفيات المحلية في الإقليم، في انتظار استكمال باقي التعيينات الإدارية والطبية.
يهدف هذا التعيين إلى تعزيز فعالية الإدارة الصحية بالإقليم وتحسين التنسيق بين مختلف الوحدات الصحية، خاصة أن شفشاون تعاني منذ سنوات من خصاص في الموارد البشرية والمعدات الطبية، وضعف العدالة المجالية في توزيع الخدمات بين المناطق الجبلية والوسط الحضري.
ويُتوقع أن تُمكّن الهيكلة الجديدة من وضع خريطة صحية دقيقة للمنطقة، تُراعي الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية للإقليم الذي يغطي مساحة واسعة ويتسم بتضاريس معقدة.
إصلاح ومخاوف
رغم الطموحات الكبيرة لهذا المشروع، فإن الجدل لا يزال قائما داخل الأوساط الصحية والمجتمع المدني، وعدد من المهنيين عبّروا عن تخوفهم من احتمال تحوّل هذا الإصلاح إلى بوابة لخوصصة القطاع العمومي، خصوصا في ظل الحديث عن تمويل ذاتي للمستشفيات عبر مداخيل الخدمات.
كما تُثار تساؤلات حول مدى جاهزية البنيات الرقمية التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للنظام الجديد، لضمان الشفافية وتتبع المسار العلاجي للمريض.
من جهتهم، يؤكد المسؤولون أن هذا المشروع لا يستهدف الخصخصة، بل تجميع الموارد وتحسين الكفاءة والتدبير المحلي، مع إرساء نظام معلوماتي موحد يسمح بتقييم الأداء وتجويد الخدمات.
ويبقى نجاح المجموعات الصحية الترابية رهينا بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين استقلالية القرار الجهوي ووحدة التوجه الوطني في السياسة الصحية.
وتُعتبر المجموعات الصحية الترابية خطوة جريئة نحو تحديث المنظومة الصحية بالمغرب، لكنها تظل رهينة بالتنزيل العملي المنصف والمواكب لمناطق مثل شفشاون، التي تحتاج إلى عناية خاصة لضمان أن لا تتحول الإصلاحات إلى ترف إداري فوق أرض الواقع.
فبين الأمل في حكامة صحية حديثة، والقلق من انزلاق نحو منطق السوق، يقف المواطن المغربي مترقبا ما إذا كانت هذه المجموعات ستقوده إلى مستشفى أكثر فعالية… أم إلى انتظار أطول أمام بوابة الإصلاح.

