يواجه إقليم شفشاون اليوم واقعا اقتصاديا معقّدا، فرغم ثروته الطبيعية والسياحية، ووجود مبادرات وطنية ودعم للشباب، يبقى الإقليم يعاني من بطالة مرتفعة، وهشاشة في مصادر الدخل وضعف القدرة الشرائية للسكان.
في هذا التقرير نرصد الأسباب الرئيسية ونقترح خارطة طريق عملية تعتمد على دروس من تجارب عالمية نجحت في تحويل مدن وقُرى صغيرة إلى محركات اقتصادية مستدامة.
ارتباطا بما سبق، نرصد في البداية مكامن الخلل، حيث تؤثر عوامل متعددة على الوضع، من خلال اعتماد اقتصاد محلي محدود الفعالية (زراعة موسمية، نشاطات غير مهيكلة، القنب الهندي، أنشطة زراعية غير دقيقة ومعيشية أو أقل)، بالإضافة إلى مشاريع تمويلية ومبادرات ضعيفة الصياغة أو المتابعة، وهجرة العقول والشباب بحثا عن فرص خارج الإقليم، ونقص في البنية التحتية التي تسمح بتحويل الموارد المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وكذلك، يلاحظ ضعف آليات تسويق المنتجات المحلية وربطها بأسواق وطنية ودولية.
وفقا لمحللين اقتصاديين تواصلت معهم جريدة “شاوني” فإنه لا توجد وصفة سحرية؛ لكن تجارب دولية أظهرت أن الجمع بين الملكات المحلية (تراث، موارد زراعية، حرف) واستراتيجيات مؤسساتية سليمة يمكن أن يحدث فرقا ملموسا.
نموذج التعاونيات الصناعية.. موندراغون (Mondragón)، إسبانيا
حركة موندراغون في إقليم الباسك انطلقت من فكرة الملكية العاملة والتعاون بين المؤسسات المحلية، لتصبح شبكة تعاونيات صناعية توفر وظائف كثيرة وتحافظ على الأرباح داخل الإقليم، مع تركيز على التعليم والابتكار والتعاون بين الشركات والمجتمع.
ويمكن للشفشاون الاستفادة من فكرة إنشاء تعاونيات محلية لإدارة سلاسل قيمة زراعية وتحويلية (تعبئة، تعبئة زيتون/منتجات زراعية، تعبئة ومنتجات تقنينية وفق القوانين) وربطها بمراكز تدريب محلية.
القرية التعاونية الزراعية.. ماريناليدا (Marinaleda)، إسبانيا
قرية اعتمدت على استصلاح الأراضي الزراعية، وإدارة معملات تحويل (معلبات، زيتون) عبر تعاونيات تُدير العمليات وتوزعها على السكان.
الفكرة القابلة للتكيف هنا؛ الاستفادة من مساحات زراعية محلية لإنشاء مشاريع تحويلية صغيرة تضيف قيمة للمنتج وتخلق عملا محليا.
النهوض عبر الثقافة والاستدامة.. غيمارانيس (Guimarães)، البرتغال
مدينة تناشد تراثها التاريخي واستثمرت في الثقافة والتحول الأخضر لجذب استثمارات صغيرة وسياح نوعيين، مع برامج للمدن الصغيرة تعتمد على مشاريع بيئية وثقافية لتقوية الاقتصاد المحلي.
وهذا المسار يبيّن كيف يمكن لشفشاون استثمار هويتها البصرية والتراثية (العمارة، الحرف، المطبخ المحلي) ضمن برامج سياحة مستدامة ترفع عائد الفرد المحلي وليس فقط أرباح وسيط سياحي.
واستنادا إلى ما سبق، تزخر التجارب الدولية بالمقترحات مثل برنامج عمل مُدمج على ثلاث محاور: البنية الاقتصادية، الموارد البشرية، والحكم المحلي.
وهذه التجارب توحي بإطلاق تعاونيات زراعية وتحويلية تملكها المجتمعات المحلية (مثل معامـل تعبئة زيتون، تعليب منتجات زراعية، حرف تقليدية)، مع آليات توزيع أرباح شفافة وتدريب إداري وتقني. (مستوحى من موندراغون وماريناليدا).
بالإضافة إلى تطوير مسارات سياحية تُبرز الحرف، المأكولات المحلية، والتجارب الريفية (بيت ضيافة عائلي قائم على شراكات محلية)، حدّ من السياحة العابرة ورفع نصيب السكان من العائدات (تعليم مضيفي سياحة محلية، شهادات جودة محلية). استفد من تجربة غيمارانيس في الجمع بين التراث والتحول الأخضر.
كما يمكن إنشاء صندوق محلي للتمويل المصغر يدعم المشاريع الصغيرة وقروضًا بشروط ميسرة، وربط ذلك بمراكز تكوين مهني متخصصة في تحويل المنتجات الزراعية، الحرف، والخدمات الرقمية (العمل عن بُعد). الاستثمارات في التدريب والتعليم التقني أساسية كما في موندراغون.
منصة تسويق رقمية إقليمية تجمع منتجات التعاونيات وتُمكّن وصولها إلى المدن الكبرى والأسواق الخارجية، مع تحسين بنية الاتصالات للتمكين من التجارة الإلكترونية والعمل عن بعد.
بالإضافة إلى إحداث مجلس توجيهي محلي يضمّ منتخبين، ممثلي تعاونيات، منصة شباب، ومنظمات مدنية لمراقبة وتنفيذ المشاريع وضمان الشفافية وجذب شراكات وطنية ودولية.
هذا ويظل إقليم شفشاون يمتلك مقومات نادرة؛ جغرافيا سياحية، تراثا حرفيا، وكتلة شبابية تبحث عن فرص، ولتحويل هذه الإمكانات إلى مصدر دخل دائم يتطلب خطة متكاملة تجمع التعاونيات الاقتصادية، سياحة مستدامة، تمويل محلي، وتكوين مهني، مدعومة بحوكمة محلية فعّالة.

