يُجمع كل من زار إقليم شفشاون على أنه واحد من أجمل أقاليم المغرب على الإطلاق، بما يزخر به من طبيعة فاتنة تمتد من قمم جبال الريف إلى الوديان والسهول، ومن تنوع بيئي وثقافي فريد يجعله وجهة سياحية عالمية بامتياز، لكن خلف هذا الجمال، تختفي حقيقة موجعة؛ إقليم شفشاون يعاني من هشاشة تنموية مزمنة، جعلته في مؤخرة ترتيب الأقاليم من حيث العدالة المجالية وفرص العيش الكريم.
ورغم المؤهلات الطبيعية الضخمة – من غابات الأرز والبلوط، والينابيع المائية المتدفقة، والمدن الزرقاء التي تخطف الأنظار – إلا أن هذا الإقليم يعيش مفارقة قاسية؛ السياح يأتون من كل أصقاع العالم، لكن أبناء الإقليم يرحلون بحثا عن لقمة العيش، والهجرة الداخلية والخارجية أصبحت ظاهرة مألوفة، إذ يختار شباب القرى والمداشر الهجرة إلى مدن الشمال الكبرى أو أوروبا بسبب غياب فرص العمل والتنمية المتوازنة.
ومنذ عقود، ظل إقليم شفشاون ضحية لسياسات تنموية سطحية تركز على الواجهة السياحية للمدينة الزرقاء، وتتجاهل العالم القروي الشاسع الذي يشكل أكثر من 80% من تراب الإقليم، ضعف البنية التحتية من طرق ومواصلات، ونقص حاد في الخدمات الصحية والتعليمية، كلها عوامل ساهمت في عزل الإقليم عن دينامية التنمية الوطنية.
أما الفلاحة التي تُعتبر النشاط الأساسي للسكان، فهي تعتمد على أساليب تقليدية وموسمية، دون مواكبة تقنية أو تسويق حقيقي للمنتوجات المحلية مثل زيت الزيتون والعسل والنباتات العطرية والطبية، بقدر ما يتم التركيز على زراعة القنب الهندي الذي بات غير نافع ولا مدخول له.
ورغم أن شفشاون تعد من أبرز الوجهات السياحية في العالم، إلا أن العائدات السياحية لا تنعكس على الساكنة المحلية، لغياب رؤية استراتيجية تربط بين السياحة والتنمية القروية، فغالبية المشاريع السياحية تتركز داخل المدار الحضري للمدينة، بينما تبقى المداشر المجاورة دون استفادة تذكر من هذا الرواج، سواء من حيث التشغيل أو الخدمات، إضافة إلى ذلك، ما زال الإقليم يفتقر إلى تسويق احترافي لصوره السياحية على الصعيد الدولي، وإلى بنية استقبال قوية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد.
ولتحقيق تنمية عادلة ومستدامة في شفشاون، لا بد من انتقال حقيقي من منطق “التجميل السياحي” إلى منطق “الاستثمار الترابي”، عبر تسريع إنجاز البنية التحتية القروية وذلك من خلال ربط القرى النائية بشبكة طرق حديثة، وتوسيع الربط الكهربائي والمائي، وتعميم الإنترنت عالي الصبيب لتقليص العزلة الرقمية.
كما يجب تثمين الفلاحة الجبلية عبر دعم التعاونيات المحلية، وتشجيع التحول نحو الفلاحة البيولوجية وتكوين الشباب في تقنيات الزراعة المستدامة والتسويق الإلكتروني، وتوزيع الاستثمارات السياحية جهويا من خلال إحداث مسارات سياحية قروية (Eco-tourisme) تشرك السكان المحليين وتخلق فرص شغل مباشرة في القرى، مع عدم إغفال تحسين الخدمات الصحية والتعليمية المتمثلة في بناء مستشفيات قروية مهيكلة، وتحفيز الأطر الطبية والتعليمية على الاستقرار في الإقليم عبر منح وتعويضات تحفيزية، بالإضافة إلى ذلك يحتاج إقليم شفشاون لتشجيع المقاولات المحلية.
ويكمن اللغز التنموي الحقيقي في الانفصال الصارخ بين الثراء الطبيعي والسياحي للإقليم وبين ضعف المستوى المعيشي لأبنائه؛ فبرغم ضخامة المؤهلات – من الغابات إلى ينابيع المياه المتدفقة – إلا أن العائدات السياحية الضخمة لم تنجح في خلق دينامية اقتصادية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة.

