بات إقليم شفشاون مسرحا لتحول اجتماعي مؤلم، فالإقليم الذي طالما ارتبط في الذاكرة الجمعية بالصفاء الروحي والتعلق بالتقاليد المحافظة، يواجه غزوا صامتا يفتك بجيله الشاب؛ تزايد استهلاك المخدرات الصلبة والدخيلة، فلم يكن إقليم شفشاون، بتاريخه الممتد من “المسيد” وحفظ القرآن، يتوقع أن يتحول شبابه بتلك السرعة إلى مدمنين يتسكعون بين دواويره الهادئة.
تاريخيا، ارتبطت المنطقة بزراعة واستهلاك “الكيف”، الذي كان يُنظر إليه أحيانا بعين التسامح المجتمعي النسبي أو كجزء من واقع اقتصادي مرير، لكن المشهد اليوم تغير جذريا، فقد باتت شوارع شفشاون والمناطق المترامية الأطراف مسرحا لتداول الكوكايين، والهيروين، والحبوب المهلوسة؛ سموم لم تكن تعرفها المنطقة من قبل، هذا التحول النوعي يعني أن المشكلة لم تعد مجرد عادة، بل إدمان خطير ومُكلف يضرب عمق الصحة العامة والأمان الاجتماعي.
إن انتشار الإدمان ليس مجرد مشكلة أمنية أو صحية؛ إنه في جوهره صرخة اجتماعية مدوية، وفي إقليم شفشاون، يشير هذا الانتشار إلى إحساس بفقدان المعنى واليأس بين الشباب، في ظل تحديات البطالة وغياب الفرص، مما يدفعهم للبحث عن هروب مؤقت في المواد المهلوسة.
الشباب هم الضحية الأكبر والهدف الأسهل لهذا الفيروس الاجتماعي، وبدلا من الانخراط في بناء مستقبلهم، أصبحوا طاقات مهدورة، يتسكعون في الزوايا المظلمة، مدفوعين بالحاجة الملحة لجرعة الإدمان، مما يدمر قدراتهم الإبداعية والإنتاجية التي يحتاجها الإقليم.
وتتضافر العوامل الاقتصادية مع عوامل التفكك الأسري والاجتماعي، عندما تضعف شبكات الدعم التقليدية، يصبح الشاب فريسة سهلة. المفكر الأمريكي أبراهام ماسلو، في هرمه للاحتياجات، أشار إلى أن الإنسان يحتاج إلى “الانتماء والمحبة” قبل أن يفكر في تحقيق الذات، وعندما يغيب هذا الانتماء في المنزل أو المجتمع، يصبح الانتماء لجماعات التعاطي بديلا مدمرا، مما يضاعف من صعوبة إخراجهم من دائرة الإدمان.
وأمام هذا المشهد القاتم، يبدو أن هناك بطئا في الاستجابة المؤسساتية الفعالة، أصوات الفعاليات المدنية باتت تطلق نداءات استغاثة بضرورة إقامة مراكز متخصصة للعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي،فالتغاضي عن تدمير حاضر هذا الجيل من الشباب هو تدمير مباشر لمستقبل الإقليم بأكمله.
ومما لا شك فيه، التصدي لهذا الوباء يتطلب مقاربة شاملة لا تكتفي بالحلول الأمنية فقط، حيث يجب بناء جدار حماية يبدأ من التوعية المدرسية والأسرية المكثفة، مرورا بتوفير بدائل اقتصادية وفرص عمل حقيقية، وانتهاء بتأهيل البنية التحتية الصحية لعلاج الإدمان.

