لم تكن زخات المطر التي عرفتها جبال إقليم شفشاون على مدار الأسبوعين الماضيين مجرد “غيث” عابر، بل كانت أشبه برسالة حب متأخرة وصلت أخيرا من سماء شحت أساريرها طويلا، وهي أمطارٌ يصفها كبار السن هنا بـ”التاريخية”، أعادت للأذهان ذكريات شتاءات 2013 و2014، قبل أن يطبق الجفاف أنفاسه على الأرض لسنوات عجاف، كادت تمحي من ذاكرة الجيل الصاعد ملامح الشتاء الحقيقي.
هذه الأجواء التي نعيشها اليوم في 2025، هي أجواء لم يعهدها جيل كامل من الشباب الذين كبروا في ظل سماء صافية بمرارة الجفاف، اليوم، يرى هؤلاء الصغار كيف تتحول المنحدرات الجبلية إلى شلالات هادرة، وكيف يكتسي “رأس الماء” وصخور “الريف” بحلة ضبابية لم يعتدها إلا في الصور القديمة، لقد عاد الحنين ليطرق الأبواب، وعادت مع كل قطرة مطر حكايا “الزمن الجميل” الذي اشتاق إليه المزارعون والمواطنون على حد سواء.

وفي أعالي الجبال، حيث البرد القارس يعانق هدوء المداشر، لم تكن الأمطار مجرد ماء، بل كانت دعوة لاستعادة “طقوس الدفء” التي تميز بها أهل شفشاون، وهناك، خلف الأبواب التقليدية والبيوت الطينية، عادت رائحة “الكانون” لتداعب الأنوف، واجتمعت العائلات حول أطباق “البيصارة” بزيت الزيتون، و”الرغيف” المخبوز على نار الحطب، في مشهد سينمائي يكسر برودة الجو بفيض من الحميمية.
وفي هذا السياق، يقول أحد شيوخ المنطقة وعيناه تلمعان ببريق المطر: “هذا الشتاء أعادنا عشر سنوات إلى الوراء.. لقد اشتقنا لصوت انهمار المطر على القصدير، ولتلك الأجواء التي تجعل البيت هو العالم كله”.

بالنسبة للفلاح الشفشاوني، هذه الأمطار هي “شهادة ميلاد” جديدة لموسم فلاحي كان يُنتظر على أحر من الجمر، فالأرض التي تشققت من العطش، شربت حتى الارتواء، والينابيع التي غارت، بدأت بالتململ من جديد. إنها عودة الروح لإقليم يعيش نبضه على إيقاع السماء.
وبين حنين الماضي ودهشة الحاضر، يعيش إقليم شفشاون اليوم عرسا سماويا طال انتظاره، عرس أعاد رسم البسمة على وجوه “الجبليين”، وأثبت أن “الزمن الجميل” قد يغيب، لكنه حتما يعود مع أول صرخة للغيث.

