بعيدا عن صخب المركز، ترسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في إقليم شفشاون ملامح تحول هادئ، لكنه ملموس، سواء في جماعة “واد مالحة” القروية، وبأزقة مدينة شفشاون العتيقة، لم تعد المشاريع مجرد أرقام في تقارير سنوية، بل تحولت إلى وحدات إنتاجية حية تُنعش الدورة التجارية المحلية.
المعاينة الميدانية تكشف عن نمط جديد من الدعم؛ إذ تجاوزت الدولة مرحلة “المنح الجامدة” إلى “الاستثمار في الفرد”، ففي “واد مالحة”، على سبيل المثال، نبتت محلات خياطة عصرية وقاعات رياضية لكمال الأجسام وسط بيئة كانت تفتقر للحد الأدنى من هذه الخدمات، وحاملو المشاريع، الذين استوفوا شروط الدعم، نجحوا في تحويل التمويل الأولي إلى دورة اقتصادية مستدامة، حيث تظهر ملامح “النشاط الجيد” في وتيرة الإقبال اليومي وتوسع العرض التجاري.
ويبرز نموذج “المكتبة” كواجهة ثقافية وتجارية مدعومة، تكسر الصورة النمطية للمشاريع الصغرى المتعثرة، والتدقيق في مسار هذه المشاريع يظهر دقة في الاختيار؛ فالدعم لم يذهب لمن يملك الفكرة فقط، بل لمن أثبت القدرة على الإدارة، كما أن النتائج الحالية تؤكد أن المحلات التجارية المدعومة أصبحت نقاط جذب مالي، تساهم في تثبيت الساكنة المحلية وتقليص الفوارق المجالية بشكل جراحي ودقيق.
وتظل تجربة شفشاون، وخصوصا في نموذج “واد مالحة”، مؤشرا قويا على نجاعة “تنمية القرب”، فالدولة حين تضع ثقتها في المقاول الذاتي بمدن الشمال، لا تمنحه رأس مال فحسب، بل تمنحه تذكرة عبور إلى الاقتصاد المهيكل، ونجاح هذه الأوراش اليوم ليس صدفة، بل هو نتيجة تقاطع بين تمويل حكومي مستهدف، وإرادة شبابية استوعبت أن التنمية تبدأ من “المهنة” أولا..
ويمكن للمتلقي أن يطرح السؤال حول “السر؟”؛ سر الاستدامة في “واد مالحة” يكمن في ذكاء الاختيار، فدعم قاعة كمال الأجسام والمكتبات ليس ترفا، بل هو استجابة لـ”فراغ قطاعي”، فحين تدعم المبادرة مشروعا يفتقده المحيط الجغرافي، فإنها تمنحه تلقائيا “حق الاحتكار الطبيعي” لفترة زمنية، مما يضمن تدفقا نقديا مستقرا منذ الشهور الأولى، ويقلل من فرص الفشل السريع.
من جهة أخرى، المؤشر الأخطر في المشاريع التنموية هو “عقلية الريع”، لكن نماذج شفشاون الحالية تعكس نضجا مختلفا، فحاملي المشاريع انتقلوا من دور “المستفيد” إلى دور “المسير”، وفي محلات الخياطة والخدمات المدعومة، نلاحظ أن التمويل لم يُستهلك في المصاريف الجارية، بل وُظف في “أدوات الإنتاج” (آلات متطورة، تجهيزات رياضية احترافية)، وهذا النوع من الأصول يرفع من القيمة السوقية للمشروع ويجعله قادرا على المنافسة.
ورغم هذا النجاح، تُطرح بإلحاح إشكالية الاستدامة والتي تعتبر هي ثمرة نظام تتبع دقيق، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن المشاريع التي “تشتغل جيدا” الآن، هي التي خضعت لمواكبة تقنية بعد التأسيس، والفرق بين مشروع يغلق أبوابه بعد سنة وآخره يتوسع، هو القدرة على تدبير “رأس المال العامل”.

