تتصاعد في الآونة الأخيرة نداءات الاستغاثة الصادرة من أعماق المداشر والقرى التابعة لإقليم شفشاون، موجهة إلى العامل الجديد السيد زكرياء حشلاف، حيث ينقل المواطنون صرخات مكتومة تعكس حجم المعاناة اليومية التي تفرضها العزلة الجغرافية وضعف المسالك الطرقية التي تحولت في كثير من النقاط إلى عائق حقيقي يحبس أنفاس الحياة في هذه التجمعات السكنية الجبلية.
وتكشف جولة بصرية في مسالك الإقليم، خاصة تلك المؤدية إلى دواوير نائية مثل “بني خليفة” بجماعة بني أحمد الشرقية، عن واقع مرير تطبعه الحفر العميقة والأشغال المتعثرة التي تركت ندوبا واضحة على وجه الأرض، إذ لم تعد هذه الطرق صالحة لمرور المركبات، بل تحولت إلى ساحات من الفوضى التي تجبر السائقين على مغامرات محفوفة بالمخاطر يوميا، مما يتسبب في أضرار مادية جسيمة للعربات ويهدد سلامة العابرين.
وهذه الوضعية المتردية للمسالك لم تتوقف عند حدود إعاقة حركة السير، بل امتدت لتطال الحقوق الأساسية للساكنة، وعلى رأسها حق التلاميذ في التمدرس، حيث يضطر الأطفال في عمر الزهور إلى قطع مسافات تتجاوز الخمسة كيلومترات مشيا على الأقدام وسط مخاطر الطريق، بعدما تعذر وصول وسائل النقل المدرسي إلى مداشرهم، وهو ما يضع الأسر في حالة من القلق الدائم على مصير ومستقبل أبنائهم الدراسي.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز معاناة الفئات الهشة التي تحتاج إلى ولوج دائم للمرافق الصحية، فالمرضى والنساء الحوامل يجدون أنفسهم أمام رحلات شاقة قد تمتد لساعات للوصول إلى أقرب طبيب، بينما يواجه المدرسون والموظفون صعوبات بالغة في الالتحاق بمقرات عملهم، مما يكرس شعورا بالعزلة ويجعل من فكرة “العيش الكريم” تحديا يوميا يرهق كاهل المواطن الجبلي الذي يرى في الطريق شريان الحياة الوحيد.
والساكنة اليوم لا تطلب المستحيل، بل تنادي بضرورة التدخل الآني لترميم “النقط السوداء” ومعالجة الحفر التي قطعت أوصال المنطقة، مؤكدين أن توقف حركة السير في هذه الطرق يعني بالضرورة توقف الحياة اليومية بكل تفاصيلها البسيطة، حيث باتت المطالب تتركز على توفير آليات الترميم كحل استعجالي لفك العزلة مؤقتا، في انتظار استكمال المشاريع المهيكلة وفق المواصفات التقنية المطلوبة.
ويبقى الأمل معقودا على التفاتة حازمة تعيد الاعتبار لهذه المداشر وتنفض عنها غبار التهميش، عبر تحويل هذه النداءات المتكررة إلى إجراءات ميدانية ملموسة تعيد الحياة إلى الطرقات المنسية، وتضمن حق المواطن في التنقل بكرامة وأمان، بعيدا عن كابوس الحفر والمسالك المقطوعة التي باتت ترهن حاضر ومستقبل ساكنة إقليم شفشاون.

