يواجه إقليم شفشاون حاليا فصلا من أقسى فصول المعاناة الطبيعية التي عرفها المغرب المعاصر، حيث تسببت الانهيارات الأرضية والسيول الجارفة في محو معالم دواوير بأكملها وتعطيل شرايين الحياة في مناطق جبلية وعرة، وتضع هذه الوضعية المأساوية الدولة المغربية أمام محك التفعيل العملي للقانون رقم 110.14، وهو النص التشريعي الذي أحدث نظاما متكاملا لتغطية عواقب الوقائع الكارثية بهدف ضمان حد أدنى من التعويض للضحايا الذين لا يتوفرون على تغطية تأمينية سابقة، ويعد هذا القانون الملاذ القانوني الأول والأساسي لساكنة مداشر “أمزوغن” و”أغبالو” و”تنقوب” و”لبيار” وغيرها من المناطق التي صُنفت كمناطق منكوبة بفعل قوة الانجرافات المائية.
وترسم المادة الثالثة من القانون المذكور المعايير الدقيقة لاعتبار ما حدث في شفشاون واقعة كارثية، إذ تشترط أن يكون العامل الطبيعي فجائيا وغير متوقع وذا خطورة شديدة على العموم، وهو ما ينطبق تماما على حجم الانهيارات التي جرفت المسكن والزرع في أرجاء الإقليم، وتبدأ المسطرة القانونية لإنصاف الضحايا عبر صدور قرار إداري رسمي يعلن عن حدوث الواقعة الكارثية في الجريدة الرسمية، وهو القرار الذي يجب أن يصدر داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر من تاريخ الكارثة، لفتح الباب أمام المتضررين للتقييد في سجل التعداد الوطني الذي تدبره وزارة الداخلية بمساعدة لجنة تتبع الوقائع الكارثية.
ويلعب “صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية” دور المؤسسة الضامنة للحقوق في هذه النازلة، حيث تتحدد مهامه الأساسية في منح تعويضات مالية للأشخاص المصابين بأضرار بدنية مباشرة أو ذوي حقوق المتوفين والمفقودين جراء هذه الانهيارات، كما تمتد يد الصندوق لتشمل العائلات التي فقدت مسكنها الرئيسي وأصبح غير صالح للسكن، وتعتبر المادة 28 من القانون واضحة في تحديد الفئات المستفيدة، إذ تعطي الأولوية لمن فقدوا مورد عيشهم أو أصيبوا بعجز بدني، بالإضافة إلى تعويض عن فقدان الانتفاع بالسكن، مما يوفر شبكة أمان اجتماعي قانونية للأسر التي وجدت نفسها في العراء بين ليلة وضحاها.
وتخضع عملية تقدير التعويضات لمعايير حسابية دقيقة نصت عليها المواد 32 و34 من القانون، حيث يتم الاستناد إلى المقتضيات المعمول بها في تعويض المصابين في حوادث السير لتقدير قيمة جبر الضرر البدني، أما فيما يخص السكن الرئيسي الذي جرفته السيول في دوار “لبيار” أو “أغبالو”.. فإن القانون يحدد سقفا ماليا للتعويض لا يتجاوز مائتين وخمسين ألف درهم للمسكن الواحد، ويشمل هذا التعويض أصحاب الملكية والمنتفعين والمكترين على حد سواء، شريطة إثبات صفة المسكن الرئيسي ودوام الإقامة فيه، مما يجعل من عملية الإحصاء الميداني التي تباشرها اللجان الإقليمية حجر الزاوية في تحديد الأحقية القانونية لكل متضرر.
وتنبثق أهمية “لجنة تتبع الوقائع الكارثية” من دورها الاستشاري والتقني في رصد حجم الدمار، فهي التي تبدي رأيها للحكومة حول الطابع الكارثي للحادث بناء على المعطيات الهيدرولوجية والجيولوجية المسجلة في شفشاون، وتضم هذه اللجنة ممثلين عن الإدارة وخبراء في تقدير المخاطر، كما تنبثق عنها لجنة خبرة متخصصة في تقييم الأضرار اللاحقة بالمباني وتحديد كلفة إعادة البناء، وتعد التقارير الصادرة عن هذه اللجان الوثائق المرجعية التي يعتمد عليها صندوق التضامن في صرف المبالغ المالية لمستحقيها، مما يضمن شفافية المسطرة القانونية وعدم خضوعها للاعتبارات التقديرية العشوائية.
وتضع المادة 53 من هذا القانون قيدا زمنيا حاسما يجب على ساكنة إقليم شفشاون الانتباه إليه، حيث تسقط طلبات التعويض بمرور سنتين من تاريخ نشر القرار الإداري الذي يعلن عن الواقعة الكارثية، وهذا يعني أن السرعة في مباشرة الإجراءات الإدارية والتقييد في سجلات الضحايا تعد واجبا قانونيا على المتضررين لضمان عدم ضياع حقوقهم بالتقادم، ويتحتم على السلطات المحلية في هذا السياق تبسيط المساطر وتوفير المساعدة التقنية لساكنة الجبال الذين قد يجدون صعوبة في استكمال ملفاتهم القانونية وسط ظروف العزلة وانقطاع سبل التواصل.
ويبقى الرهان الحقيقي في هذه الأزمة هو سرعة الانتقال من النص القانوني إلى التدخل الميداني المرن، فساكنة شفشاون التي تواجه قسوة الطبيعة تحتاج إلى تفعيل استثنائي للصلاحيات المخولة لمدير صندوق التضامن وللجان الخبرة، لضمان وصول التعويضات في وقتها المناسب قبل استفحال الأزمة الإنسانية، ويظل هذا النظام التعويضي، رغم سقوفه المالية المحددة، آلية تضامنية وطنية تعكس إرادة المشرع في حماية المواطنين من تقلبات الطبيعة، وجعل الترسانة القانونية في خدمة الاستقرار الاجتماعي وإعادة الإعمار في واحدة من أكثر مناطق المملكة تضررا وهشاشة أمام زحف التغيرات المناخية.

