تواجه الأسر في إقليم شفشاون موجة غلاء غير مسبوقة طالت مادة السمك التي تعد غذاء رئيسيا للكثير من العائلات ذات الدخل المحدود، حيث سجلت الأسواق الأسبوعية في جماعة المنصورة وبني أحمد الشرقية وواد مالحة وباب تازة وباب برد أرقاما قياسية أربكت الميزانيات الضعيفة، وتجاوز سعر الكيلوغرام الواحد في أغلب الأحيان عتبة خمسة وثلاثين درهما بينما استقر في مستويات الأربعين درهما لبعض الأنواع الشعبية، هذا الارتفاع الصاروخي وضع الفئات الهشة أمام واقع مرير يحرمها من أبسط مقومات التغذية المتوازنة في إقليم يغلب على طابعه السوسيو اقتصادي الفقر والعوز، وضاعف من معاناة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على مقاطعة هذه المادة الحيوية مكرهين لا مخيرين.
وتتداخل مجموعة من العوامل لتشكل هذا المشهد القاتم الذي يعيشه المستهلك الشفشاوني في رحلة بحثه عن لقمة عيش كريمة، إذ يبرز دور الوسطاء والمضاربين كحلقة أساسية في رفع السعر النهائي للمنتج قبل وصوله إلى منصات العرض في الأسواق الجبلية البعيدة، وتساهم تكاليف النقل المتزايدة ووعورة المسالك الطرقية في تبرير هذه الزيادات التي يراها الكثيرون مبالغا فيها ولا تعكس القيمة الحقيقية للعرض والطلب، ويجد باعة التقسيط أنفسهم في مواجهة مباشرة مع غضب الزبائن بينما تظل هوامش ربحهم محكومة بأسعار الجملة المرتفعة التي تفرضها لوبيات التحكم في الموانئ ونقاط التوزيع الكبرى.
ويستغرب المتابعون للشأن المحلي استمرار هذا الغلاء الفاحش في إقليم يتميز بموقع جغرافي ليس ببعيد عن سواحل الشمال الغنية بالثروات البحرية، وهو تناقض صارخ يطرح تساؤلات مشروعة حول غياب آليات المراقبة الصارمة لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط، وتتحول الأسواق التي كانت في السابق ملاذا للفقراء إلى ساحات للمزايدات التي تفوق طاقة الموظف الصغير والعامل اليومي، مما يعمق الفوارق الاجتماعية ويؤدي إلى تآكل السلم الغذائي للأسر التي باتت تعتمد على بدائل أقل جودة وقيمة غذائية لمواجهة شبح الجوع واختلال الموازين المالية الصعبة.
وتستمر الصرخات الصادرة من المداشر والقرى التابعة لباب برد وباب تازة دون صدى فعلي على أرض الواقع يحد من تغول الغلاء، ويشكل غياب بنيات التحتية للتبريد والتخزين في هذه المناطق عائقا إضافيا يساهم في سرعة تلف السلع وبالتالي ارتفاع ثمنها لتعويض الخسائر المحتملة، وتظل السياسات المتبعة في تدبير قطاع الصيد البحري وتوزيعه بعيدة كل البعد عن تطلعات الساكنة المحلية التي ترى في السمك حقا طبيعيا يجب أن يتاح للجميع بأسعار تفضيلية تراعي واقع الهشاشة الذي يطبع الإقليم، وتزداد حدة الأزمة مع كل موعد سوق جديد حيث تتبخر وعود الانخفاض لتصدم الواقع المعاش المليء بالخيبات.
ويفرض هذا الوضع المقلق ضرورة تدخل الجهات الوصية لفتح تحقيق جدي في مسارات توزيع الأسماك نحو إقليم شفشاون والضرب بيد من حديد على أيدي المتلاعبين بأقوات الناس، ويتطلب الإنصاف الاجتماعي وضع مخططات استعجالية تضمن وصول المنتجات البحرية إلى المناطق الداخلية والجبلية بأسعار معقولة ومنطقية، ويعد تفعيل لجان المراقبة الإقليمية والمحلية بشكل دائم ومستمر ضرورة قصوى لقطع الطريق أمام الجشعين الذين يستغلون حاجة الناس، ويبقى الأمل معلقا على إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للمواطن الشفشاوني وتحفظ كرامته فوق طاولة الطعام بعيدا عن سطوة المضاربات وسعير الأسواق.

