تتصاعد في الكواليس السياسية لإقليم شفشاون همسات مثيرة للقلق، حول هندسة غير معلنة تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة الانتخابية المحلية، عبر بوابة “تصفية حسابات” ضيقة تنفذها أطراف داخل اللجنة الوطنية لانتخابات حزب الأصالة والمعاصرة، وهذه التحركات التي تجري بعيدا عن الأضواء تضع علامات استفهام كبرى حول المعايير المعتمدة في منح التزكيات، خاصة وأن المؤشرات الميدانية والتقارير الواردة من معاقل “الجرار” تؤكد وجود محاولات ممنهجة لإقصاء وجوه برلمانية وازنة أثبتت جدارتها في الميدان، لصالح وجوه “مستوردة” تفتقر للرصيد السياسي الكافي، وتعتمد فقط على نفوذها المحلي في مناطق معروفة بخصوصيتها الجغرافية والاجتماعية. وفقا لما أفادت به يومية الصباح.
وحسب ذات المصدر، يبرز اسم النائب البرلماني عبد الرحيم بوعزة كأحد أبرز ضحايا هذه “المؤامرة” المركبة، وهو الذي بصم على مسار نيابي استثنائي جعل منه صوتا مسموعا تحت قبة البرلمان ومدافعا شرسا عن قضايا إقليم شفشاون، إذ تظهر قاعدة بيانات مجلس النواب بوضوح حجم الحضور النوعي للرجل من خلال الأسئلة الكتابية والشفهية التي لامست هموم الساكنة وتطلعاتها، كما أن أداءه الرقابي المتميز وجرأته في مواجهة الاختلالات التدبيرية بالإقليم، جعلت منه رقما صعبا في المعادلة السياسية المحلية، وهو ما يفسر ربما رغبة “جهات خفية” في إبعاده من المشهد السياسي القادم عبر ترويج مغالطات تزعم ضعف حظوظه في الفوز، رغم أن الواقع الميداني وشهادة الناخبين في الدائرة تؤكد عكس ذلك تماماً.
والتساؤل الجوهري الذي يطرحه المتتبعون للشأن السياسي بالمنطقة يتعلق بالجهة المستفيدة من تغييب كفاءة برلمانية بحجم بوعزة، والعمل على استبداله بوافد جديد من حزب حليف يرأس جماعة “باب برد”، حيث يبدو أن منطق “الترضيات” وتأمين المقاعد بأي ثمن قد طغى على شعارات “تزكية الكفاءات” التي يرفعها الحزب، فالمقارنة بين الحصيلة التشريعية والرقابية لبرلماني خبر كواليس المؤسسة التشريعية، وبين مرشح مفترض لا يفرق بين مقترح القانون ومشروع القانون، تعكس خللا بنيويا في عملية اتخاذ القرار السياسي داخل اللجنة الانتخابية، وتكشف عن زحف لمصالح ضيقة تسعى لتمكين “أصحاب النفوذ التقليدي” على حساب العمل السياسي الرصين والمسؤول.
ويعيش إقليم شفشاون في هذه الظرفية حالة من الحركية الصامتة، حيث تدار المعارك الانتخابية الحقيقية في الصالونات المغلقة بعيدا عن القواعد الحزبية التي باتت تشعر بالصدمة من احتمالية التضحية بممثليها الشرعيين، فهذا النهج في “الكولسة” لا يستهدف فقط إبعاد شخص عبد الرحيم بوعزة، بل يضرب في العمق مصداقية العمل الحزبي ويهدد السلم الانتخابي في إقليم لا يقبل بفرض وصاية “مخدومة” على اختياراته، فالمعركة الدائرة الآن ليست تنافساً على البرامج بقدر ما هي صراع بين تيار يمثله بوعزة يرتكز على الحصيلة الميدانية والنجاعة البرلمانية، وبين تيار يسعى لإعادة إنتاج وجوه تفتقر للشرعية النضالية والسياسية.
إن التمسك بخيار استبدال الكفاءات المجربة بوجوه “جاهزة” انتخابيا يعكس ارتباكا واضحا في تدبير المرحلة الانتقالية داخل الحزب، خاصة وأن فاطمة الزهراء المنصوري كمنسقة وطنية قد لا تكون على دراية بكافة تفاصيل هذه “المؤامرة” التي تحاك في مديريات التزكية، فالإصرار على تقديم وجوه لم تقدم شيئا يذكر في المسار السياسي مقابل إنهاء وجود وجوه برلمانية نشطة، يضع اللجنة الوطنية للانتخابات أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية، إذ أن إقليم شفشاون يحتاج إلى تمثيلية برلمانية قوية قادرة على الترافع الحقيقي، وليس إلى “أرقام انتخابية” تسد الفراغ في اللوائح وتغيب عن هموم الساكنة فور إعلان النتائج.
ويبقى عبد الرحيم بوعزة، بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء، البرلماني الذي اشتغل بكثير من المسؤولية وحافظ على تواصل مستمر مع مختلف المحطات والمؤسسات، مما يجعل من محاولات إقصائه ضربا من العبث السياسي الذي سيؤدي حتما إلى تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية، فجمهور القراء والنخبة المثقفة في الإقليم تتابع بدقة تفاصيل هذه “المسرحية” التي تحاول بعض الأطراف إخراجها بأسلوب مكشوف، وتنتظر من قيادة الحزب التدخل لتصحيح المسار وإيقاف هذا النزيف التنظيمي الذي يهدد بالقضاء على ما تبقى من نبل العمل السياسي، وضمان استمرار الوجوه التي تملك رصيدا من العمل الجاد والحضور الوازن في قلب المؤسسة التشريعية.

