تضع أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط برسم أبريل 2026 إقليم شفشاون والمجالات الجبلية بجهة الشمال أمام مرآة واقع سوسيواقتصادي مقلق، حيث يواجه أكثر من ربع شباب الجهة تحدي الإقصاء المزدوج من منظومتي التكوين والإنتاج، وتكشف الأرقام أن 28.1% من الفئة العمرية ما بين 15 و29 سنة يتواجدون حالياً خارج دوائر الشغل والتعليم والتكوين (فئة NEET)، ورغم أن هذا المؤشر يظل دون المعدل الوطني، إلا أنه يعكس فجوة عميقة في العدالة المجالية، خاصة في الأقاليم ذات الطابع القروي والجبلي كشفشاون، التي لا تزال بعيدة عن ثمار الزخم الاستثماري الذي يتركز في الأقطاب الصناعية الكبرى بمدينة طنجة.
وتبرز هذه المفارقة الإحصائية بحدة عند مقارنة التطور الصناعي واللوجستي العالمي الذي تشهده الجهة مع واقع الشباب في المناطق الجبلية، ففي الوقت الذي تحولت فيه “طنجة الكبرى” إلى قاطرة وطنية لصناعة السيارات والخدمات، لا يزال آلاف الشباب في مناطق كشفشاون والحسيمة والعرائش يفتقرون لمسارات مؤسساتية واضحة نحو سوق الشغل، ويبدو أن هذا النمو الاقتصادي لم ينجح في اختراق الجغرافيا الوعرة ليتحول إلى إدماج اجتماعي ملموس في الأوساط القروية، مما يكرس عزلة الشباب المنقطعين عن الدراسة ويحصر خياراتهم في أنشطة غير مهيكلة تفتقر لأدنى شروط الاستقرار المهني.
وعلى مستوى المسار الزمني، تشير البيانات إلى أن المنطقة حققت طفرة إيجابية في السابق بخفض معدل هؤلاء الشباب من 34.1% سنة 2017 إلى 28% سنة 2022، غير أن استقرار المؤشر لاحقاً عند 28.1% ينذر بوصول دينامية التشغيل الحالية إلى سقفها الأعلى دون أن تنجح في استيعاب الفئات الهشة، ويؤكد التقرير أن الظاهرة تأخذ أبعاداً جندرية واجتماعية مترسخة، حيث يسجل حضور نسوي قوي ضمن الملايين الثلاثة من الشباب الذين يعيشون هذه الوضعية على الصعيد الوطني، مما يضع السياسات العمومية الجهوية أمام اختبار حقيقي لإعادة هندسة آليات التكوين المهني لملائمة حاجيات المناطق الجبلية والنائية.
وبالمقارنة مع التقسيم الترابي للمملكة، تظهر جهة الشمال في وضعية أفضل نسبياً من جهات أخرى، إلا أن هذا التفوق الرقمي يخفي تفاوتات صارخة بين مراكز الاستقطاب الحضري والمجالات القروية، ففي ظل غياب بيانات مفصلة حسب الأقاليم في هذا التقرير، تظل الهوة قائمة بين “طنجة الصناعية” و”شفشاون القروية”، وهي المناطق التي تعاني من ضعف البنيات التحتية التعليمية والتكوينية وتواضع فرص الشغل القارة، مما يجعل الشباب في هذه الأقاليم الفئة الأكثر عرضة للضياع المهني والإقصاء الاجتماعي.
ويضع هذا التشخيص الرسمي المخططات التنموية الجهوية أمام رهان مفصلي، يتمثل في ضرورة تحويل المؤشرات الماكرو-اقتصادية إلى مكتسبات اجتماعية تضمن العدالة بين أقاليم الجهة، فاستدامة الاستقرار الاجتماعي في الشمال رهينة بابتكار حلول بديلة للإدماج تتجاوز منطق الاستثمارات الكبرى لتشمل دعم المقاولات الصغرى والتعاونيات في المناطق الجبلية، وتعزيز التكوين بالتدرج في الحرف والمهن المرتبطة بالقطاعات المحلية، لتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل الشباب الذين يجدون أنفسهم اليوم في “منطقة رمادية” بعيداً عن أجنحة التنمية المستدامة.

