لم يشهد سكان جماعة الدردارة بالكرانخة، إقليم شفشاون، يوما مشهدا كهذا، فمنذ ظهر الثلاثاء، وفي تمام الساعة الثانية بعد الزوال، تحولت سماء المنطقة إلى لوحة ملبدة بالدخان الكثيف، وصارت الجبال الخضراء المكسوة بأشجار البلوط والنباتات مسرحا لجحيم حقيقي.
الشرقي كان عاتيا، والحرارة مرتفعة، والأشجار اليابسة تشتعل كأنها عيدان كبريت، وفي غضون ساعات، كانت النيران قد أحاطت بالسكان من كل الجهات، فصاروا محاصرين بين الخوف على أرواحهم، والهلع على بيوتهم ومزارعهم التي ورثوها عن آبائهم.
أشجار الكروم والزيتون، التي طالما كانت مصدر رزق للمنطقة، تحولت إلى أعمدة سوداء متفحمة، وبعض التجمعات السكنية أصبحت على مرمى أمتار من اللهيب، فيما كانت السلطات تتسابق مع الزمن لإبعاد الخطر.
ومنذ اللحظة الأولى، جندت فرق الوقاية المدنية والسلطات المحلية والجيش كل إمكانياتهم، طائرات الكانادير الثلاث التي بدأت مهمتها منذ اليوم الأول لم تهدأ، تقطع السماء جيئة وذهابا، وترش الماء على بؤر الحريق، قبل أن تلتحق بها ثلاث طائرات أخرى لاحقا، ليصبح العدد ست طائرات تعمل بلا توقف، في مشهد بطولي ظل سكان المنطقة يصفقون له رغم الألم.
لكن الكارثة لم تتوقف عند حدود الغابة، فقد اضطرت السلطات إغلاق حركة السير عند نقطة الدردارة، الشريان الذي يربط باب تازة بتطوان، بعدما صارت ألسنة اللهب تهدد سالكي الطريق.
واليوم، وبعد أكثر من 48 ساعة من المعركة مع النيران، ما زالت الجمرات المشتعلة تحت المراقبة الدقيقة، إذ يخشى رجال الإطفاء أن تعود الحياة إليها مع أي نسمة شرقية.
وحرائق الدردارة لم تكن مجرد حريق غابوي، بل كانت اختبارا حقيقيا للقدرة على الصمود أمام الطبيعة حين تثور، ودليلا على أن التنسيق والجهد الجماعي قادران على كبح جماح النار، ولو بعد عناء طويل.

