منذ أن أعلن الملك محمد السادس، في خطابه الأخير بمناسبة عيد العرش، عن ضرورة إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تردّد السؤال بقوة داخل الأقاليم المهمشة؛ هل ستبقى هذه البرامج مجرد وعود انتخابية جديدة، أم أنها ستترجم فعليا إلى مشاريع ملموسة تنعكس على حياة المواطنين؟
إقليم شفشاون، بخصوصياته الجبلية والبيئية، يظل أحد النماذج التي تكشف الفوارق الصارخة في التنمية، فرغم غناه الطبيعي وارتباطه بصورة المغرب السياحية عالميا، ما تزال جماعاته القروية تعاني عزلة خانقة، وضعفا في البنيات التحتية، خصاصا في المستشفيات، وانقطاعا متكررا للماء الصالح للشرب.
وزارة الداخلية، في مذكرتها الأخيرة، دعت الولاة والعمال إلى بلورة برامج محلية تستجيب لأولويات كل إقليم، وتراعي خصوصياته الاقتصادية والجغرافية، وبالنسبة لشفشاون، هذا يعني ضرورة الانتباه إلى ثلاث نقاط مركزية:
- العزلة الطرقية التي ما تزال تحاصر عشرات الدواوير، حيث يتحول التنقل نحو المراكز الصحية أو الأسواق الأسبوعية إلى مغامرة شاقة.
- أزمة الماء التي تتفاقم صيفا، في مفارقة لافتة: إقليم غني بالأنهار والعيون، لكنه يعيش على إيقاع ندرة متكررة بفعل ضعف البنيات التحتية المائية وسوء التدبير.
- الفوارق الاجتماعية، حيث تكشف المؤشرات عن نسب بطالة مرتفعة وسط الشباب، وغياب مشاريع اقتصادية قادرة على خلق فرص شغل مستدامة.
الخطاب الملكي شدد على أن “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب بسرعتين”، في إشارة واضحة إلى ضرورة تجاوز نموذج التنمية الانتقائية، لكن التحدي الأكبر يظل في منع هذه البرامج من التحول إلى أوراق انتخابية، خصوصا ونحن على أبواب استحقاقات 2026.
وإقليم شفشاون يعرف تاريخيا توظيف مشاريع الماء والكهرباء والطرق كورقة ضغط انتخابية، حيث تتحول التنمية من حق دستوري إلى امتياز مشروط بولاء سياسي.
المدينة الزرقاء بدورها، أيقونة السياحة العالمية، تجذب آلاف الزوار سنويا، وتظهر في مجلات السفر الدولية كـ”جوهرة الأطلسي”.
لكن هذه الصورة الجميلة تخفي واقعا مغايرا في دواوير بني رزين، باب برد، المنصورة أو تاسيفت، حيث يتكرر مشهد الهشاشة والفقر وانعدام البنية الأساسية.
السؤال إذن؛ هل ستستفيد هذه المناطق من الدينامية الجديدة، أم ستظل رهينة صورة سياحية لمدينة شفشاون وحدها؟
ما تعلنه وزارة الداخلية اليوم، مستندة إلى الخطاب الملكي، يشكل اختبارا عمليا؛ فهل تستطيع الدولة صياغة سياسة ترابية منصفة تجعل من شفشاون نموذجا للعدالة المكانية؟ أم أننا سنبقى أمام استمرار لنفس الدينامية السابقة: مشاريع متفرقة، غياب رؤية مندمجة، واستمرار الفوارق المجالية؟

