تشهد المملكة المغربية في الأسابيع الأخيرة موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات العارمة اجتاحت كبريات المدن، من الرباط والدار البيضاء وطنجة، وصولا إلى وجدة وبني ملال وتطوان ومكناس وفاس وأكادير، وهذه المظاهرات لم تأت من فراغ، بل انفجرت نتيجة تراكم أزمات خانقة في الصحة والتعليم والتشغيل، إضافة إلى تفشي الفساد الذي بات ينخر جسد الدولة ويقوض ثقة المواطنين في مؤسساتها.
وفي قلب هذه الحركات، يبرز جيل “Z” الذي ولد في زمن التكنولوجيا والوعي الرقمي، ليكون اليوم في طليعة الصفوف، مطالبا بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. الشباب لم يعد يقبل بالصمت على واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم، بل قرر أن يرفع صوته عاليا في وجه السياسات الفاشلة والتهميش الممنهج، متسلحا بوسائل التواصل الاجتماعي كأداة للحشد والتعبئة وكسر التعتيم الإعلامي.
لكن ما يثير الصدمة والجدل، هو الطريقة التي واجهت بها السلطات هذه المطالب المشروعة، حيث تحولت شوارع المدن الكبرى إلى مسارح لتدخلات عنيفة للقوات العمومية، صور وفيديوهات انتشرت على نطاق واسع أظهرت عمليات قمع واعتقال، وأصوات المحتجين وهي تُكمم بالقوة بدل أن تُستمع، مشاهد وصفت بالمهينة والمؤسفة، عمّقت جرح الثقة بين الشارع والدولة، وأعادت إلى الأذهان سنوات من القمع والانتهاكات.
في مقابل هذا الغليان الشعبي، يطبع الصمت المطبق مواقف الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش، الذي بدا وكأنه أصيب بالخرس والبكم أمام صرخات الشعب، فبدل أن يظهر ليخاطب المغاربة ويقدم إجابات وحلولا، آثر الغياب عن الأنظار، تاركا فراغا سياسيا وإعلاميا يثير الغضب والريبة في آن واحد، صمتٌ اعتبره المحتجون نوعا من الاستخفاف بمعاناتهم، وضربة موجعة لما تبقى من مصداقية المؤسسات.
الاحتجاجات لم تعد مجرد مطالب معيشية آنية، بل تحولت إلى صرخة وجودية من أجل تغيير عميق، يضمن للمغاربة حياة كريمة وعدالة اجتماعية حقيقية، الشعب بات يرفض السياسات الترقيعية والخطابات المكررة، ويبحث عن بدائل حقيقية تُعلي قيمة الإنسان وتحارب الفساد المستشري في مفاصل الدولة، فالمعادلة باتت واضحة: إما إصلاحات جذرية، أو مزيد من الانفجار الشعبي الذي قد يصعب التحكم فيه.
واليوم، يقف المغرب أمام مفترق طرق حاسم، إما أن يستجيب لمطالب الشارع بجرأة وصدق، أو أن يواصل سياسة الآذان الصماء والقمع، وهو خيار لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع، فالكرامة والعدالة ليست شعارات فارغة، بل حقوق طبيعية وأساسية، وحين يخرج الناس إلى الشارع حاملينها، فإن أي قمع أو تجاهل لن يزيدهم إلا إصرارا على انتزاعها، والتاريخ يُكتب الآن في شوارع الرباط وطنجة وفاس والدار البيضاء، وسيحكم على من صمت، كما سيحكم على من واجه المطالب بالعنف بدل الإصلاح.

