شهدت لقاءات التشاور حول “الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة” في عمالة شفشاون، اليوم الخميس، محطة مفصلية لم تقتصر على عرض الخطط الطموحة، بل كشفت عن فشل تنموي واضح في قطاعات حيوية، أبرزها قطاع الماء والشغل.
وبينما يسعى الإقليم للانخراط في الدينامية الوطنية التي أطلقها الملك محمد السادس، والرامية إلى إرساء نموذج جديد يقوم على العدالة المجالية والاجتماعية، أظهرت الأرقام الرسمية هوة كبيرة بين الواقع المحلي والمعدلات الوطنية، مما يضع المسؤولين أمام تحدي الإرادة الحقيقية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتشكل الأرقام المتعلقة بالولوج إلى الماء الصالح للشرب الدليل الأقوى على التفاوت المجالي في شفشاون، فالبيانات التي قدمتها العمالة خلال اللقاءات كشفت أن نسبة الولوج للماء الصالح للشرب في الإقليم لا تزال غير كافية، وتتخلف بشكل كبير عن المتوسط الوطني، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.
| المؤشر | القيمة في شفشاون | القيمة على الصعيد الوطني | الفارق التنموي (تقريبي) |
| نسبة الولوج للماء الصالح للشرب | 66% | 97.8% | 31.8 نقطة مئوية |
وتؤكد هذه الإحصائية أن جزءا كبيرا من ساكنة الإقليم، لا سيما في الوسط القروي، يعاني من الحرمان من حق أساسي، ما يناقض صراحة مفهوم العدالة المجالية.
لم تقتصر الإكراهات على الأرقام، بل امتدت لتشمل مشاكل بنيوية تؤكد سوء التخطيط والإدارة، ومن أبرز هذه الإكراهات التي تم عرضها؛ نقص الفرشة المائية لبني أحمد وهي المصدر الرئيسي الذي يزود بعض المراكز الحيوية، مما يهدد استمرارية التزويد، وضعف الصبيب المزود لبعض المراكز وهو دليل على قِدم الشبكات أو ضعف قدرتها الاستيعابية وكذلك الضخ؛ بالإضافة إلى انقطاعات متكررة تضرب المراكز والدواوير، مما يؤثر على الحياة اليومية للمواطنين والاقتصاد المحلي، والاستغلال غير المعقلن للموارد وهو الأمر الذي يشير إلى غياب استراتيجية حكيمة لإدارة المخزون المائي في ظل سنوات الجفاف.
وما تحتاجه شفشاون اليوم ليس تكرار نفس الخطاب التنموي الذي عُرِضَ على مدى سنوات، بل إرادة حقيقية في ربط المسؤولية بالمحاسبة، فالتنمية ليست مجرد خطة تقنية أو وثيقة مفاهيمية معروضة بشفافية، بل هي نتائج ملموسة في حياة الناس. فالمواطن يريد أن يرى نتائج هذه اللقاءات تتجسد في:
مدرسة تليق بالتلميذ، مستشفى يحترم المريض، طريق آمنة، ومصدر شغل كريم…
وفي ذات السياق، إن التفاوت الصارخ في نسبة الولوج للماء يمثل جرس إنذار للإسراع في تنفيذ مشاريع ذات أولوية، تضمن كرامة المواطن واستقراره، وإلا سيبقى “الجيل الجديد من برامج التنمية” مجرد حبر على ورق في مواجهة واقع قسري عنوانه “الماء لا يكفي”.
هذا ويتطلب الانخراط في النموذج التنموي الجديد أولا اعترافا صريحا بوجود فجوة تنموية عميقة في قطاعات كالماء، كما أن تحقيق العدالة المجالية في شفشاون لا يمكن أن يتم دون معالجة جذرية للإكراهات المائية، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع القروية غير المبرمجة، ووضع حد للاستغلال غير المعقلن، لضمان أن يصل الماء الصالح للشرب بنسبة تضاهي المعدل الوطني، وهذا هو الاختبار الحقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن تنزيل أي برنامج تنموي، كيفما كانت طبيعته أو أهدافه، لا يمكن أن يتحقق بمجرد توفير الاعتمادات المالية أو وضع التصورات التقنية، لأن نجاح أي ورش تنموي رهين بتوفر إرادة حقيقية في الإصلاح، لكنه يحتاج أكثر إلى الموارد البشرية الكفؤة، باعتبارها العمود الفقري لأي سياسة عمومية، والعنصر الذي يسهر على التنزيل الأمثل للبرامج على أرض الواقع.
وجاء اللقاء التشاوري ضمن سياق وطني، لكن تطلعات الساكنة المحلية تركز على أن تكون مخرجاته نقطة انطلاق لتصحيح المسار التنموي، وليس مجرد محطة جديدة لتكرار الخطابات القديمة، فالرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال الفعلي من زمن الكلام إلى زمن الفعل، ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة المحاسبة، لضمان استغلال الموارد بكفاءة.
والتنمية المندمجة لن تتحقق إلا عندما تكون كرامة المواطن محور السياسات العمومية، ويلمس التغيير بشكل مباشر وملموس في معيشه اليومي وواقعه الحياتي، وليس فقط عبر الشعارات الرنانة والعناوين الرسمية، وهذا التغيير هو ما سيؤكد أن البرامج الجديدة تهدف حقا إلى العدالة الاجتماعية والمجالية.

