في الوقت الذي تحتفي فيه المملكة المغربية بجهود التحول الرقمي والتخطيط لإطلاق شبكات الجيل الخامس (5G)، لا يزال إقليم شفشاون، بجماله الطبيعي وتراثه العريق، يعيش في عزلة رقمية خانقة تكاد تعيده إلى سنوات ما قبل العولمة، فبينما تتسارع المدن الكبرى نحو السرعة الفائقة، يئن سكان هذا الإقليم تحت وطأة تغطية ضعيفة، “حلزونية”، ومعدومة في كثير من الأحيان لشبكة الهاتف والإنترنت، تفرضها “اتصالات المغرب” (Maroc Telecom)، الشركة المهيمنة على القطاع.
الواقع المرير في شفشاون يتناقض بشكل صارخ مع الخطابات الرسمية الرامية إلى تحقيق الإنصاف المجالي وتعميم الولوج للخدمات الأساسية، فمناطق حيوية مثل باب تازة، وباب بلاد، وبني أحند الغربية والشرقية، تعاني من ضعف شديد أو انعدام تام للتغطية، مما يشكل إقصاء كبيرا لسكان الإقليم ويحول دون اندماجهم في العصر الرقمي.
ويقول أحد الفاعلين الجمعويين في المنطقة: “كيف يمكن أن نتحدث عن التنمية، عن التعليم عن بعد، عن الخدمات الإدارية الرقمية، ونحن نعاني من أجل إجراء مكالمة هاتفية بسيطة؟ هذا الوضع هو عار على شركة وطنية كـ ‘اتصالات المغرب’ التي تحقق أرباحا طائلة دون أن تلتزم بمسؤوليتها تجاه المناطق النائية.”
الشكاوى لا تقتصر على انعدام التغطية، بل تمتد إلى الضعف الشديد والسرعة “الحلزونية” للإنترنت في المناطق التي تتوفر فيها الخدمة، وهذا الأداء الهزيل لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة العصرية، سواء بالنسبة للطلاب، أو أصحاب الأعمال الصغيرة، أو حتى لتمكين المواطنين من الولوج للمعلومات والتواصل مع العالم الخارجي.
وهذا الفشل المتكرر من “اتصالات المغرب” في تحسين البنية التحتية في إقليم شفشاون يعكس سياسة “الاقتصاد الموجه بالأرباح” التي تتجاهل البعد الاجتماعي والمناطقي، وتفضل الاستثمار في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية لضمان عوائد سريعة، على حساب مواطني المناطق الجبلية والنائية.
ويشير السكان المتضررون إلى مناداة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة بأنه “من غير المقبول أن يسير المغرب بسرعتين”، لكن الوضع في إقليم شفشاون يثبت أن المغرب يسير بالفعل بأكثر من سرعة؛ سرعة فائقة في المدن الكبرى، وسرعة متوقفة في أقاليم مثل شفشاون، بسبب الإهمال الواضح في البنية التحتية للاتصالات.
وغياب شبكة قوية وموثوقة ليس مجرد رفاهية، بل هو حاجز أمام التنمية المحلية، ومساهم رئيسي في تفاقم الهجرة القروية، وحرمان الساكنة من حقوقها الأساسية في التواصل والولوج إلى المعرفة.
ويدعو النشطاء والمجتمع المدني في شفشاون الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) إلى التدخل الفوري والضغط على “اتصالات المغرب” للوفاء بالتزاماتها وتوسيع شبكتها وتحسين جودة خدماتها في الإقليم بشكل جذري، فإقليم شفشاون، الذي يساهم في إشعاع المغرب سياحيا، يستحق أن ينعم بكافة حقوقه، وأولها الاندماج الكامل في العصر الرقمي، وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى التغطية “الضعيفة والحلزونية” لـ “اتصالات المغرب” رمزا للعزلة والتهميش الذي يعاني منه جزء غالٍ من الوطن.

