في كشف أثري يعيد كتابة فصول من تاريخ التطور البشري، نجح فريق دولي بقيادة عالم الأنثروبولوجيا جان جاك هوبلان في تحديد تاريخ دقيق لمجموعة من الحفريات البشرية المكتشفة في الدار البيضاء، تعود إلى نحو 773 ألف عام.
هذا الاكتشاف لا يملأ فجوة زمنية هامة فحسب، بل يقدم دليلا على أن أسلاف الإنسان العاقل (Homo sapiens) كانوا يقطنون القارة الأفريقية في وقت أبكر بكثير مما كان يعتقد، مما يضع المغرب في قلب مسرح التطور البشري العالمي.
تحمل هذه الدراسة عنوان “بشر أوائل من المغرب يقعون في قاعدة سلالة الإنسان العاقل” (Early hominins from Morocco basal to the Homo sapiens lineage)، ونشرت في دورية Nature المرموقة، حيث قبلت للنشر في 13 نونبر 2025، وصدرت رسميا عبر الإنترنت في 7 يناير 2026.
تجمع هذه الدراسة نخبة من العلماء والباحثين من مؤسسات دولية مرموقة، بقيادة جان جاك هوبلان، وبمشاركة ديفيد لوفيفير، سيرينا بيريني، جيوفاني موتوني، ماثيو م. سكينر، شارا إي. بيلي، سارة فريدلاين، فيليب غونز، ماتيو روي، محسن الغراوي، دينيس جيرادس، كميل دوجارد، توماس و. ديفيز، كورنيليوس كوبزيك، ميكولاس دي. إمبراساس، أليخاندرا أورتيز، كريستوف فالجير، تشينغفنغ شاو، جان جاك باهين، آلان كيفليك، آسير غوميز-أوليفينسيا، ستيفانو بينازي، أديلين لو كابيك، ريتا سورينتينو، إنغا بيرغمان، فاطمة الزهراء سبيحي العلوي، روزاليا غالوتي، جان بول رينال، وعبد الرحيم محيب.
لطالما كان تحديد السلف المشترك الأخير بين البشر المعاصرين والنياندرتال والدينيسوفان أحد أكبر التحديات في علم الآثار. فبينما كانت بعض النظريات ترجح أصلا أوروبيا (مثل إنسان أنتيسيسور في إسبانيا)، تأتي نتائج دراسة مقلع توماس 1 لتؤكد أن الجذور الأفريقية هي الأرجح.
وتشير الدراسة إلى أن هؤلاء البشر الأوائل يمثلون حلقة متطورة من الإنسان المنتصب (Homo erectus)، تظهر مزيجا مذهلا من السمات البدائية والخصائص الحديثة التي مهدت الطريق لاحقا لظهور الإنسان العاقل.
يعد الموقع المكتشف، المعروف باسم مغارة الحفريات (ThI-GH) بمدينة الدار البيضاء، وحدة أثرية نادرة خضعت لحفريات دقيقة ومنظمة منذ عام 1994، وأسفرت عن كشف بقايا عظمية مهمة، من بينها فكوكان بشريان أبرزهما فك لشخص بالغ (ThI-GH-10717)، يتميز بتركيبة تجمع بين السمات البدائية والخصائص المتطورة.
يتميز هذا الفك بجسم طويل ومنخفض وضيق، مع ذقن متراجعة تشبه تلك لدى الإنسان المنتصب، ومع ذلك، فإنه يظهر سمات متقدمة في السطح السنخي تشبه إنسان أنتيسيسور، وهي خصائص تعتبر انتقالية نحو سلالتنا.
وكشفت الدراسة عن اختزال ملحوظ في حجم الضرس الثالث، وهو نمط غير شائع في الإنسان المنتصب التقليدي، بل يقرب هؤلاء البشر من الإنسان العاقل والنياندرتال.
وشملت المكتشفات بقايا لأطفال، من بينها فك لطفل لم يتجاوز عمره عاما ونصف العام عند الوفاة (ThI-GH-10978). وتظهر فقراته اتجاها في المفاصل يختلف عن الإنسان المعاصر، لكن مساحة القناة الشوكية لدى هؤلاء البشر تقع ضمن نطاق التباين البشري الحديث، مما يعطي لمحة عن تطور الجهاز العصبي في ذلك الزمن المبكر.
ومن بين الاكتشافات الأندر في السجل الأحفوري لتلك الحقبة، العثور على سلسلة مكونة من ثماني فقرات (ست عنقية واثنتان صدريتان) وجدت تحت الفك البالغ مباشرة، ويرجح أنها تعود إلى الشخص نفسه.
ويتميز هذا البحث بدقته في تحديد العمر الجيولوجي، إذ استخدم العلماء تقنية المغناطيسية القديمة (Magnetostratigraphy) لرصد التغيرات في المجال المغناطيسي للأرض المحتبسة في الرواسب.
وتقدم الدراسة رؤية جديدة للمناخ القديم؛ فالتشابه بين الحيوانات المكتشفة في الموقع وتلك الموجودة في شرق وجنوب أفريقيا يشير إلى أن الصحراء الكبرى لم تكن حاجزا دائما، بل شهدت فترات “خضراء” سمحت بتبادل بشري وحيواني واسع عبر القارة بفضل الأمطار الموسمية الغزيرة، وهو ما يفسر التنوع البشري المبكر في شمال أفريقيا.
بهذا الاكتشاف، يعزز المغرب مكانته كإحدى أهم مناطق العالم لفهم أصول الإنسان العاقل، خصوصا أنه يحتضن أيضا موقع جبل إيغود الذي شهد اكتشاف أقدم بقايا للإنسان العاقل (نحو 300 ألف عام).
وأكدت دراسة مقلع توماس 1 أن الرحلة نحو الإنسان العاقل بدأت في شمال أفريقيا قبل ذلك بمئات الآلاف من السنين، ما ينهي الجدل حول الأصل الأوراسي المحتمل، ويعيد التأكيد على أن الجذور الأولى للبشرية أفريقية بامتياز.

