في لحظة علمية احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي بالرباط، ناقش الطالب الباحث عمر بن زمرون، الإطار بقطاع الصيد البحري، رسالة لنيل شهادة الماستر في العلوم الإدارية والمالية، اختار لها موضوعا يلامس عمق الرهانات الاستراتيجية للمملكة تحت عنوان: “استدامة المخزون السمكي بين حكامة التدبير وترشيد الاستغلال”.
وجاء هذا العمل العلمي، الذي أشرف عليه الأستاذ رشيد بنعياش وناقشه الأستاذان عبد النبي صبري وعبد الغني الشاوي، كدراسة متعددة الأبعاد تستقرئ تطور استغلال الموارد البحرية، واضعة اليد على مكامن الضعف ومقترحة مداخل للإصلاح في قطاع يعد شريانا حيويا للاقتصاد الوطني.
استهلت الدراسة رحلتها البحثية برصد العلاقة التاريخية الجدلية بين الإنسان والبحر، حيث كشف الباحث كيف تحولت الوفرة إلى الندرة بفعل عوامل متعددة، ما أدى إلى اختلالات بيئية عميقة هددت التنوع البيولوجي.
ومن هذا المنطلق، طرحت الرسالة إشكالية محورية تتعلق بمدى نجاعة سياسة تدبير الصيد البحري في الحفاظ على استدامة المخزون السمكي وتعزيز التنمية، مستندة إلى فرضية جوهرية مفادها أن استشراف فرص المستقبل رهين بالقدرة على حكامة موارد الحاضر.
وفي تشخيصه للمسار التشريعي والمؤسساتي، توقف الباحث عند التحولات الكبرى التي شهدها القانون الدولي للبحار، مبرزا الانتقال من مبدأ الحرية المطلقة للصيد إلى مرحلة التقنين الصارم عبر اتفاقيات أممية، وعلى رأسها اتفاقية 1982.
وعلى المستوى الوطني، استعرضت الدراسة تطور التشريع المغربي منذ فترة الحماية وصولا إلى الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي أعقبت سنة 2009، مع إبراز الدور المحوري للمؤسسات الرسمية والهيئات الاستشارية في رسم سياسات الضبط الإداري البحري، مشيرة إلى أن التفاعل مع المرجعيات الدولية أصبح ضرورة لضمان ملاءمة القوانين الوطنية مع متطلبات التنمية المستدامة.
ولم تقف الرسالة عند حدود الوصف، بل غاصت في تحليل السياسات القطاعية، ومكامن التطور في آليات التدبير العمومي لقطاع الصيد البحري، لا سيما على مستوى التخطيط الاستراتيجي وتوجهات الاقتصاد الأزرق، مع تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسياسة التدبير البحري في أبعاده المتعددة.
وسلط الباحث الضوء على مجموعة من التحديات التي تواجه استدامة هذا القطاع، والتي تحد من سرعة الاستجابة للتهديدات البيئية.
وفي رؤية استشرافية للحلول، شدد عمر بن زمرون على ضرورة الاستفادة من التطور التكنولوجي وإمكانات الذكاء الاصطناعي في تنويع وسائل المراقبة وتتبع المسارات البحرية.
وأكدت الدراسة أن الاستثمار في البحث العلمي وتشجيع تربية الأحياء المائية البحرية لم يعد مجرد خيار تكميلي، بل أصبح شرطا لازما لتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية وضمان الأمن الغذائي والبيئي للأجيال المقبلة.
وعبر الأساتذة الأعضاء عن تنويههم بمنهجية البحث ونتائجه، كما صرح رئيس اللجنة بأنه كان سيقبل بالبحث لو قدم في إطار رسالة دكتوراه.
وأوصى عمر بن زمرون باستكمال الدراسة والبحث في مجال الصيد البحري، مؤكدا جميع الأساتذة على ندرة الأطروحات العلمية في هذا المجال بالمغرب، لا سيما في الجانب الذي أحاط به عمل الباحث.

