أحدثت جماعة شفشاون مؤخرا تحولا بصريالافتا، فبعد سنوات من الجمود المعماري، جاء تدشين النافورة الفسيفسائية الجديدة في شارع الحسن الثاني ليعيد الاعتبار للصناعة التقليدية المغربية-الأندلسية، وهذا المشروع لم يكن مجرد إضافة جمالية، بل مثل “اختبارا للمفهوم” حيث أثبت أن الاستثمار في الهوية البصرية يمكن أن يحقق عائدا اجتماعيا فوريا، مما يضع المجلس الجماعي الآن أمام ضغط متزايد لتوسيع هذه التجربة نحو معالم المدينة المنسية.
ومع هذا النجاح، تتجه الأنظار اليوم إلى “منتزه 20 غشت”، الرئة الخضراء للمدينة، التي تحتضن نافورة تاريخية تعاني حاليا من صمت مياهها وتآكل جدارياتها.
وأمام هذا الوضع، فإنه من ناحية التخطيط الحضري، يظل إهمال هذا الفضاء فرصة ضائعة؛ فالتحليل الجمالي للموقع يشير إلى أن إحياء نافورة المنتزه بالفسيفساء الأندلسية سيخلق “نقطة ارتكاز” تجذب التدفق السياحي بعيدا عن المركز المكتظ، كما أنها فلسفة “الجمال الوظيفي” التي تعيد إحياء الذاكرة الجماعية مع خلق قيمة مضافة للمجال العام.

ومن ناحية أخرى، يبرز الجانب الاجتماعي للمشروع، فالمشروع سيمثل نوعا من “المصالحة مع المكان”، فالتفاعل الإيجابي الواسع مع نافورة شارع الحسن الثاني يعكس رغبة شعبية في رؤية مدينتهم تستعيد ألقها التاريخي كحاضرة أندلسية فريدة.
والمطالبة بتأهيل نافورة منتزه 20 غشت ليست مجرد رغبة في التجميل، بل هي دعوة لتبني استراتيجية حضرية شاملة تجعل من “الجمالية” معيارا أساسيا في كل مشروع عمومي مستقبلي، بدلا من الحلول الترقيعية المؤقتة.
كما انه لا يمكن إغفال المحور الاقتصادي، فتحويل الفضاءات العامة إلى متاحف مفتوحة للفسيفساء يعزز من “العلامة التجارية” لشفشاون (Chefchaouen Brand) دوليا، ففي عصر “إنستغرام” واقتصاد الصور، تصبح كل نافورة مرممة بمثابة لوحة إعلانية مجانية تجذب السياح من الفئات ذات الإنفاق العالي، والذين يبحثون عن الأصالة المعمارية.
ومواصلة الجماعة للعمل بنفس الوتيرة في منتزه 20 غشت يعد قرارا استثماريا ذكيا يتجاوز كونه مجرد عملية ترميم، ليصبح محركا للتنمية المحلية المستدامة.
هذا ويبقى السؤال المطروح على طاولة مدبري الشأن المحلي؛ هل ستتحول “صحوة الفسيفساء” الحالية إلى سياسة هيكلية ثابتة أم ستظل مجرد مبادرات معزولة؟

