استبشر سكان المداشر والقرى بإقليم شفشاون خيرا مع إعلان قدوم الشركة الجديدة لتدبير قطاع الكهرباء، واعتقد الجميع أن زمن العتمة والارتجالية قد ولى إلى غير رجعة، وكان الأمل معقودا على طي صفحة “المسير القديم” الذي أرهق كاهل المواطنين بضعف الخدمات وغياب الجودة، واليوم، تحول هذا التفاؤل إلى خيبة أمل مريرة، وصار التساؤل الملحا، هل نحن بصدد إعادة تدوير الفشل نفسه؟
تستيقظ دواوير جماعة “المنصورة” وجاراتها في “بني أحمد الشرقية” و”بني أحمد الغربية” على وقع صدمات متتالية، انقطاعات مفاجئة للتيار الكهربائي لا تستثني نهارا ولا ليلا، عتمة مفروضة تخنق الحياة اليومية وتكبد الساكنة خسائر مادية فادحة، أجهزة إلكترونية تحترق، ومؤن غذائية تفسد في ثلاجات صارت مجرد قطع ديكور، والمواطن هنا يشعر بأنه خارج مفكرة التدبير العقلاني، مجرد رقم في جغرافية منسية.
وتحولت الإخبارات اليومية بقطع التيار إلى كابوس يطارد القرويين في هذه المناطق المترامية الأطراف، فبلاغات الشركة تتوالى برتابة، مبررة بـ “أعمال صيانة” أو “إصلاحات” لا تنتهي، حيث يرى السكان في هذه التبريرات “استنساخا” حرفيا لأساليب الإدارة السابقة التي اتسمت بالعشوائية، والارتجالية في العمل بادية للعيان، ولا أثر لمنهجية استباقية تحمي حق المواطن في تزويد مستمر ومستقر بهذه المادة الحيوية.
ويصل الغضب في دواوير جماعة المنصورة إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يتحدث المواطنون البسطاء بحرقة عن التهميش الذي طال أمدُه، فالكهرباء ليست ترفا، بل هي نبض التعليم، والصحة، والعيش الكريم، وحين ينقطع التيار، يتوقف الزمن في هذه المداشر، ويغرق التلاميذ في الظلام لمراجعة دروسهم، والشركة الجديدة التي وعدت بالاحترافية، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع “شبح الفشل” الذي لاحق سلفها.
ويتساءل المتابعون للشأن المحلي بإقليم شفشاون عن جدوى تغيير الشعارات والأسماء إذا بقيت العقلية التدبيرية كما هي، فالتدبير العقلاني يقتضي وضع مخططات تقنية واضحة، تراعي وعورة التضاريس وصعوبة المسالك في الإقليم، أما العشوائية الحالية في قطع وإعادة التيار توحي بضعف التجهيزات أو غياب الكفاءة الميدانية.
والحالة الجوية المتقلبة التي يعرفها الإقليم تزيد من حدة المعاناة. الرياح والأمطار الرعدية تتربص بالأعمدة والأسلاك المتهالكة التي لم تشهد تجديدا حقيقيا، وتكتفي الفرق التقنية أحيانا بحلول “ترقيعية” لا تصمد أمام أول عاصفة، في حين يجد المواطن نفسه محاصرا بين برودة الطقس وانقطاع “الدفء” الكهربائي، وهي حلقة مفرغة من المعاناة، تجعل من شعار “تنمية العالم القروي” مجرد حبر على ورق في تقارير المكاتب المكيفة.
والوضع في “بني أحمد” يزداد تفاقما مع تزايد وتيرة الانقطاعات غير المبررة، الساكنة لم تعد تكتفي بالاحتجاج الصامت، بل بدأت الأصوات تتعالى للمطالبة بفتح تحقيق في جودة الخدمات، ويرفض الجميع أن تكون مناطقهم حقل تجارب لشركات تتعلم أبجديات التدبير على حساب أعصابهم، والصمت المطبق من طرف المسؤولين المحليين والجهويين يغذي هذا الاحتقان ويفتح الباب أمام كل السيناريوهات التصعيدية.
هذا وتتطلب المرحلة الراهنة وقفة حازمة تعيد الأمور إلى نصابها، كما تحتاج الشركة المدبرة إلى مراجعة شاملة لطريقة تواصلها وتدخلاتها الميدانية، فالمواطن الشفشاوني يطالب بحق مشروع، وهو كهرباء مستمرة وفواتير تعكس واقع الحال. والاستمرار في هذا النهج “الأعرج” سيؤدي حتما إلى نفس المصير القاتم الذي واجهته التجارب السابقة.

