تستفيق دواوير إقليم شفشاون كل صباح على إيقاع المغامرة، يودع الآباء أبناءهم بقلوب مرتجفة، النقل المدرسي في منعرجات “جماعة لغدير” و”تفرواون” تحول إلى كابوس حقيقي، المشاهد القادمة من هناك هذا الصباح تنذر بكارثة وشيكة، هؤلاء الصغار ليسوا أرقاما في إحصائيات التمدرس، إنهم أرواح تواجه خطر الانزلاق في منحدرات الموت.
وواقع المسالك الطرقية بالإقليم يجسد قمة العزلة والتهميش، ولم تعد الطرقات صالحة لمرور الحافلات المهترئة أصلا، التضاريس الوعرة مع التساقطات المطرية حولت المسارات إلى فخاخ طينية، وجودة الطرق ومعايير السلامة غائبة تماما عن أجندة الإصلاح، “نحتاج طرقا بمواصفات تقنية تحمي الحافلة من السقوط، نحتاج بنية تحتية تصمد أمام الشتاء ولا تنهار عند أول قطرة غيث”، هكذا يقول التلاميذ.
وتتحمل الجماعات الترابية مسؤولية مباشرة في تدبير هذا الملف، والاختباء خلف ندرة الموارد لم يعد مبررا مقبولا، دور المنتخبين يتجاوز توزيع الوعود إلى ضمان تنقل آمن، تدبير النقل المدرسي يتطلب رؤية استباقية قبل حلول موسم الأمطار، التقاعس في إصلاح الحفر وتوسعة المسالك الضيقة هو استهتار بحياة التلاميذ، المجالس الجماعية مطالبة اليوم بوضع قطاع التعليم فوق كل اعتبار سياسي.
وجمعيات النقل المدرسي تعاني في صمت تحت وطأة الأزمات المالية، تكاليف الصيانة المرتفعة بسبب رداءة الطرق تستنزف الميزانيات الضعيفة، وهذه الجمعيات تجد نفسها وحدها في مواجهة أعطاب ميكانيكية يومية، والدعم المخصص لها لا يكفي لتغطية أجور السائقين أو شراء قطع الغيار، وغياب المواكبة الحقيقية من الجهات الوصية يهدد بتوقف الخدمة بصفة نهائية، والحل ليس في الترقيع بل في توفير دعم قار ومستدام يضمن جودة الخدمة.
من جهة أخرى، الجهات المسؤولة في الإقليم والجهة مدعوة للتحرك الفوري، لا تنتظروا وقوع الفاجعة لكي تباشروا التحقيقات وتصدروا البلاغات، التحرك الميداني هو اللغة الوحيدة التي يفهمها سكان الجبال الآن، فك العزلة عن “لغدير” وغيرها من الجماعات المتضررة أولوية قصوى، فالتنمية تبدأ من الطريق ولا يمكن الحديث عن محاربة الهدر المدرسي في ظل غياب الأمن الطرقي، المسؤولية مشتركة والمحاسبة قادمة لا محالة.
وصرخات أولياء الأمور اليوم في شفشاون هي إنذار أخير، والفيديوهات التي توثق معاناة التلاميذ تكشف زيف الشعارات الرسمية، فكيف يركز التلميذ في دروسه وهو يخشى انقلاب الحافلة في كل منعرج، إنها إهانة للكرامة الإنسانية في مغرب يبحث عن الإقلاع التنموي، والتهاون في هذا الملف هو خيانة للأمانة الملقاة على عاتق كل مسؤول، التحرك قبل فوات الأوان هو المطلب الوحيد والمستعجل.
الوضع في إقليم شفشاون يحتاج إلى “زلزال” إداري يغير الواقع، فكفى من سياسة إطفاء الحرائق والحلول الترقيعية التي تتبخر مع أول عاصفة، فالأرواح التي تذهب ضحية حوادث السير الجبلية لا تعوضها الكلمات، ابنوا طرقا حقيقية ووفروا حافلات تليق بالبشر، فشفشاون تستحق عدالة مجالية تنقذ أطفالها من براثن التهميش، الكرة الآن في مرمى السلطات الإقليمية لإنهاء هذا العبث اليومي.

