يواجه شمال المملكة، ولاسيما جهة طنجة تطوان الحسيمة، اختبارا مناخيا عسيرا مع وصول امتدادات عاصفة “كريستين” (Kristin) المدمرة، التي تُعد الحلقة الأكثر شراسة ضمن ما بات يُعرف بـ “قطار العواصف الأطلسية”، فمع نهاية يناير 2026، وجد المغرب نفسه ضمن حزام منخفضات جوية معقدة بدأت بعاصفتي “جوزيف” و”شاندرا”، لتتوج بـ “كريستين” التي تحمل رياحا قياسية وأمطارا طوفانية، مما وضع المديرية العامة للأرصاد الجوية في حالة استنفار قصوى لتتبع مسار هذا الاضطراب الجوي العنيف القادم من عمق المحيط.
وتُصنف عاصفة “كريستين”، التي سُميت من طرف المعهد البرتغالي للبحر والجو، كعاصفة ثانوية فائقة القوة بفضل ظاهرة “Sting Jet” أو (النفاث اللساع)، وهي رياح تدميرية تتركز في مناطق محدودة لتصل سرعتها بين 140 و160 كم/ساعة، وعلى الرغم من أن مركز العاصفة يضرب شبه الجزيرة الإيبيرية، إلا أن ذيولها وصلت بحدة إلى السواحل الأطلسية والشمالية للمغرب، حيث سُجلت هبات ريحية قوية تتراوح ما بين 80 و120 كم/ساعة، مما تسبب في اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الجوية والبحرية، وتخوفات من سقوط الأشجار واللوحات الإعلانية في الحواضر الشمالية.
ولم تكن “كريستين” وحيدة في هذا الهجوم المناخي، بل سبقتها عاصفة “جوزيف” التي أغرقت شمال البرتغال وجلبت أمواجا عملاقة بلغ ارتفاعها 12 مترا، وعاصفة “شاندرا” التي شلت الحياة في المملكة المتحدة وأيرلندا. هذه السلسلة المتلاحقة أدت إلى إشباع التربة بالمياه في منطقة حوض المتوسط وشمال إفريقيا، مما يجعل أي تساقطات مطرية إضافية تحملها “كريستين” نذيرا بفيضانات حضرية وانزلاقات تربة في المناطق الجبلية بالحسيمة وتطوان، وسط تحذيرات للسكان بالابتعاد عن مجاري الوديان.
وعلى طول الشريط الساحلي الممتد من طنجة إلى القنيطرة، ارتفع منسوب القلق مع تحول البحر إلى “كتلة غاضبة” من الأمواج العالية، التأثيرات المشتركة للمنخفضات الجوية المتداخلة ولدت اضطرابا بحريا شديدا، مما دفع السلطات المينائية إلى تعليق الرحلات البحرية عبر مضيق جبل طارق في فترات متقطعة، وحذرت قوارب الصيد التقليدي من المغامرة في عرض البحر، هذا الهيجان البحري ليس سوى انعكاس لمركز العاصفة الذي يضغط بقوة على السطح المائي للمحيط الأطلسي، مصدرا طاقة حركية هائلة باتجاه الشواطئ المغربية.
ويعيد “قطار العواصف” الحالي إلى الواجهة النقاش حول التغيرات المناخية المتطرفة التي باتت تضرب حوض المتوسط وجنوب أوروبا بقوة غير معهودة. فتشكل عواصف ثانوية قوية مثل “كريستين” في ظرف زمني وجيز يعكس اختلال التوازن الحراري في الأطلسي. وبالنسبة للمغرب، يظل الصمود أمام هذه التقلبات رهيناً بجاهزية البنية التحتية وفعالية أنظمة الإنذار المبكر، لضمان مرور هذه “العاصفة الثلاثية” بأقل الأضرار الممكنة، في موسم شتاء 2026 الذي يبدو أنه سيسجل نفسه في التاريخ كأحد أكثر المواسم صخباً وعنفاً.

