تحبس أنفاس إقليم شفشاون تحت وطأة منخفض جوي استثنائي حول المنطقة إلى مسرح لمواجهة مفتوحة مع قوى الطبيعة حيث كشرت السماء عن أنيابها معلنة وصول عاصفة كريستين التي أغرقت التضاريس الوعرة في لجة المياه المتدفقة بغزارة لم يعهدها السكان منذ سنوات طوال ويظهر المشهد الميداني اليوم الأربعاء تحولا دراماتيكيا في الخارطة الهيدروغرافية للإقليم الذي بات يصارع أمواجا من الوحل وجريانا سطحيا عنيفا يهدد استقرار البنيات التحتية المتهالكة أصلا في المناطق الجبلية العميقة.
ويعيش مدخل مدينة شفشاون حالة من الاستنفار القصوى نتيجة الارتفاع المهول في منسوب واد سفلاو الذي تجاوزت مياهه المجرى الطبيعي لتغمر الطرقات والمساحات المجاورة، في مشهد يعكس قوة التدفق المائي الذي لم تتوقف وتيرته طيلة الساعات الماضية، حيث يشكل هذا الواد شريان الحياة الرئيسي في المنطقة مما يجعل فيضانه نذير خطر يعيق التحركات اليومية ويشل الحركة التجارية في واحدة من أكثر النقاط حيوية وحساسية داخل تراب الإقليم المنهك بفعل توالي الضربات الجوية المتلاحقة.

ولم يتوقف زحف المياه عند حدود المركز، بل امتدت يد الطبيعة لتطال واد أولاي بجماعة المنصورة وبقية المجاري المائية بسائر تراب الإقليم حيث سجلت القياسات ارتفاعا قياسيا في منسوب المياه، أدى إلى فيضانات واسعة النطاق شملت واد إفرطن ومنبع رأس الماء الشهير، وبلغت الأزمة ذروتها مع امتلاء حقينة سد العناصر التي باتت تعاني ضغطا مائيا هائلا نتيجة التدفقات القادمة من الشعاب والمنحدرات الجبلية المحيطة، مما يعزز فرضية حدوث فيضانات جارفة إذا ما استمر هطول الأمطار بهذه الكثافة والسرعة.
ويرسم انقطاع السبل في دواوير أحجارة وزاوية الحراش ودوار جوابرة صورة قاتمة عن العزلة التي فرضتها العاصفة على آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين تضاريس قاسية، ووديان هائجة لا ترحم، وتتفاقم المعاناة في مناطق تايدة وزاوية سيدي يسف ومواس التابعة لجماعة واد مالحة، حيث انقطعت خطوط التواصل الجغرافي تماما مما حول هذه القرى إلى جزر معزولة يمنع الوصول إليها، نتيجة الانهيارات الصخرية التي سدت المسالك الطرقية وحولتها إلى ركام من الأحجار والأطيان اللزجة.

وتوقفت حركة السير بشكل كلي في عدة نقاط استراتيجية داخل الإقليم، بعدما تسببت الانزلاقات التربية في محو أجزاء من الطريق العام، مما جعل التنقل بين الجماعات ضربا من المستحيل والمغامرة غير المحمودة العواقب، ويواجه السائقون والمسافرون مخاطر حقيقية جراء تدهور الرؤية وتهالك المسارات التي لم تعد تقوى على تحمل قوة الانجراف التربي وتراكم الأوحال مما يفرض واقعا جديدا يتسم بالشلل التام في انتظار تدخلات ميدانية عاجلة تعيد النبض لشرايين الإقليم المقطوعة.
وتتجلى تداعيات ارتفاع منسوب الوديان في مأساة إنسانية صامتة يعيشها القرويون الذين بات الواد فاصلا ماديا بينهم وبين الخدمات الأساسية، والمراكز الجماعية، مما يضطرهم للمكوث قسرا داخل منازلهم لمدد زمنية غير معلومة، وتحت ضغوط الخوف من نفاذ المؤن أو وقوع حالات طبية طارئة، ويحول جريان الوديان دون وصول الأطفال للمدارس أو المرضى للمراكز الصحية، مما يضع هؤلاء المواطنين في مواجهة مباشرة مع قسوة المناخ وغياب البدائل اللوجستية القادرة على كسر الحصار المائي.
وتضع هذه الوضعية الجوية المتأزمة الجهات المختصة أمام مسؤولية تاريخية وجسيمة تتجاوز مجرد مراقبة النشرات الإنذارية إلى ضرورة النزول للميدان بآليات ثقيلة لفك العزلة، وتشطيب الطرقات والمسالك المقطوعة، كما تنتظر الساكنة تحركا فعالا من طرف مجالس الجماعات والسلطات الإقليمية لإعادة فتح المسارات الحيوية، وتأمين الممرات المائية قبل أن تتحول هذه الأمطار من نعمة مرتقبة إلى كارثة إنسانية تطوق الإقليم، وتستنزف قدرات أهله الصابرين على قسوة الجبل وغدر الوديان.

