أحدث القرار المفاجئ لمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة بفسخ صفقة التواصل المبرمة منذ أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين حالة من الارتباك الإداري والقانوني في أروقة المؤسسة الجهوية، حيث جاء توقيف العقد في منتصف فبراير ألفين وستة وعشرين بعد أربعة أشهر من التنفيذ الفعلي الذي باشر خلاله المتعهد الفائز التزاماته وأحال مخرجاته عبر القنوات الرسمية، مما فتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول الخلفيات الحقيقية لهذا الإجراء ومدى التزام رئاسة الجهة بمبادئ الحكامة واستقرار العقود العمومية، خاصة وأن مبررات الفسخ وصفت من قبل خبراء القانون الإداري بالهزيلة والشكلية لكونها تفتقد لمحاضر المعاينة التقنية والتقارير الموضوعية التي يفرضها دفتر الشروط الإدارية العامة.
وحسب مصادر متقاطعة من الجهة، فإن المتعهد الفائز شرع بمجرد إعلان النتيجة في تنفيذ التزاماته وفق الضوابط التعاقدية، وأحال فعلياً مجموعة من المخرجات عبر القنوات الرسمية، وتواصل مع الغديد من المؤسسات الإعلامية الرائدة، التي عبرت عن رغبتها في التعاون معه، تشجيعا للاستثمار، لكن مع مرور الأسابيع، يدو أنه قد برزت مؤشرات داخل بعض دوائر القرار اعتبرها البعض اشارة إلى وجود توتر داخلي وضغوط خارجية أثرت في مسار الملف، قبل أن يصدر الفسخ الذي أربك المشهد التعاقدي برمته، ودفع العديد للتساؤل حول جدية العاقدات الادارية.
القرار، حسب نفس المصادر، تضمّن أسباباً تم وصفها من طرف خبراء القانون الإداري بأنها «شكلية» و«ضعيفة الأساس»، لأنها لا ترقى إلى مستوى يبرّر فسخ عقد بعد انطلاق التنفيذ، خصوصاً في غياب محاضر معاينة حقيقية أو تقارير تقنية موضوعية أو رأي لجنة التتبع، وهو ما يجعل القرار عرضة لأسئلة مشروعة حول مدى اتساقه مع الإطار القانوني للصفقات العمومية، وقد يجرّ للمساءلة مجلس الجهة أمام المجلس الأعلى للحسابات و لجان التفتيش لوزارة الداخلية، ورقابة الوالي، وقد يخلط الحسابات ليس فقط في صفقة هذه السنة، بل لسنوات مضت ولصفقات أخرى.
وتزامن هذا التوتر مع إلغاء صفقة ثانية تتعلق بمشروع الخدمة المحلية للطاقة والمناخ بدعوى وجود نزاع عقاري، مما كشف عن ضعف في التخطيط الاستباقي وتنسيق المصالح داخل إدارة الجهة التي أطلقت طلب عروض فوق وعاء عقاري غير مصفى قانونيا، ليربط مراقبون بين هذه التعثرات وبين محاولات تجميل الحصيلة عبر إدراج اعتمادات المشاريع الموقوفة ضمن نسب الإنجاز الميداني، في وقت يتم فيه ضخ مبالغ ضخمة في استثمارات غير ملموسة الأثر كمرصد الذكاء الترابي، بينما يظل السؤال معلقا حول كيفية التوفيق بين هذه الاختلالات التدبيرية وبين الشعارات المرفوعة حول النجاعة والشفافية في تدبير المال العام.
وارتفعت أصوات حقوقية ومهنية تطالب والي الجهة يونس التازي بالتدخل العاجل لممارسة سلطة الرقابة والتدقيق في هذه العقود التي قد تكبد ميزانية الدولة تعويضات مالية ثقيلة في حال لجوء المتضررين إلى القضاء الإداري، كما برزت مقترحات بإحالة الملف على مجلس المنافسة للتحقق من وجود ممارسات تفضيلية محتملة تعيق ولوج فاعلين جدد إلى سوق التواصل الجهوي، خاصة وأن السياق الزمني لهذا الارتباك يأتي قبيل أشهر من الاستحقاقات الانتخابية، مما يثير مخاوف من محاولة إعادة ترتيب المشهد الاتصالي لخدمة أجندات سياسية ضيقة على حساب المساطر القانونية الواضحة والملزمة للجميع.
ويبقى المشهد داخل جهة الشمال مفتوحا على كل الاحتمالات في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من كشف للوثائق والمستندات التي يطالب الرأي العام بنشرها تكريسا لمبدأ الحق في الوصول إلى المعلومة، فجوهر الأزمة اليوم يتجاوز حدود صفقة تواصل معينة ليمس مصداقية المؤسسة الجهوية ككل وقدرتها على تدبير الشأن الترابي بعيدا عن الحسابات الشخصية أو الحنين لعهود الاحتكار، وهو ما يجعل من القضاء الإداري وهيئات الرقابة المالية الملاذ الأخير لضمان صون القانون وحماية حقوق المقاولات من أي شطط في استعمال السلطة قد يمارسه المسؤولون تحت ذريعة المصلحة العامة.

