تواجه الجماعات الترابية بإقليم شفشاون انتقادات حادة بسبب إصرارها على تبني سياسة الانغلاق والتعتيم الممنهج على معطيات الشأن المحلي، حيث تصطدم تطلعات الساكنة في الوصول إلى المعلومة بجدار من الصمت الرقمي الذي لا يعكس بتاتا حجم التحولات التكنولوجية المتسارعة، فبالرغم من الترسانة القانونية التي تكفل الحق في الوصول إلى المعلومة، إلا أن المتصفح للفضاء الرقمي يجد نفسه أمام فراغ مهول يفتقر لأبسط المقومات التواصلية الاحترافية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الغياب المتعمد للمنصات الرسمية التي من شأنها استعراض العمل اليومي للمجالس المنتخبة وتنوير الرأي العام بخصوص التدبير المالي والإداري للمرافق العمومية.
وتكتفي قلة قليلة من الجماعات التي تمتلك صفحات على منصات التواصل الاجتماعي بنشر بروتوكولي باهت يقتصر على صور الدورات العادية والاستثنائية أو تقاسم برقيات التهنئة في المناسبات الوطنية والدينية، في هدر واضح للزمن التواصل وحصر لدور المؤسسة في زاوية ضيقة لا تخدم المسار التنموي المنشود، إذ تغيب كلياً التفاصيل الدقيقة للمشاريع المبرمجة أو تحديثات الأوراش المفتوحة، كما ينعدم التفاعل اللحظي مع النشرات الإنذارية المتعلقة بحالة الطقس أو التنبيهات المرتبطة بالطوارئ، مما يعمق الفجوة بين الإدارة والمواطن ويحول هذه الصفحات إلى مجرد واجهات صماء تفتقر للروح التفاعلية وتتجاهل أبسط قواعد الشفافية المطلوبة في تدبير الشأن العام.
ويعكس هذا الضعف التواصلي الصارخ عجزاً تدبيرياً في مواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي التي يشهدها العالم في سنة 2026، حيث أضحى من غير المقبول استمرار المؤسسات المنتخبة في التواري خلف أساليب تقليدية تجاوزها الزمن عوض الانخراط الجدي في مبادرات الانفتاح والتواصل المباشر، فالضرورة تقتضي اليوم إرساء دعائم إدارة رقمية قريبة من المرتفقين تعلن بوضوح عن جداول المداومة وأوقات العمل وتعرف بالموظفين والأطر الجماعية، كما تقدم شروحات وافية حول الاتفاقيات المبرمة والشراكات الاستراتيجية، مع توثيق الجولات التفقدية الميدانية بالصوت والصورة لتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بعيدا عن لغة الخشب والتقارير الورقية التي تظل حبيسة الرفوف المظلمة.
وإقليم شفشاون بمؤهلاته الطبيعية وخصوصياته السوسيوثقافية يحتاج إلى نخب تدرك أن المعلومة حق أصيل وليست منة تمنح للمواطن عند الطلب، حيث يمثل الاستمرار في حجب المعطيات الحيوية المتعلقة بنفوذ الجماعات نوعا من الوصاية البائدة التي لا تستقيم مع شعارات الحكامة الجيدة والتدبير الحر، إذ يمكن لهذه المجالس أن تحول منصاتها الرقمية إلى خلية نحل تنبض بالمعطيات التقنية والمالية والزمنية لكل مشروع على حدة، مما يسمح للساكنة وللمجتمع المدني بالمواكبة والتقييم والمساهمة في تجويد القرارات، وهو المسار الوحيد الكفيل باستعادة الثقة المفقودة في المؤسسات التمثيلية وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والعدالة المجالية.
ويظل الرهان قائما على إحداث ثورة في الفكر التواصلي للجماعات الترابية بالإقليم عبر القطع مع ثقافة “السرية” الموروثة والتوجه نحو بناء جسور رقمية متينة تليق بانتظارات المواطنين، فالتحديات الراهنة تفرض على رؤساء المجالس والمصالح التقنية استثمار الأدوات الرقمية الحديثة لتقريب الإدارة من المواطن وجعلها كتابا مفتوحا أمام الرقابة الشعبية، حيث أن النجاعة في الأداء لا تقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة بل بمدى القدرة على التواصل الفعال والشفاف، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية قادرة على تحويل الجماعة من وحدة إدارية جامدة إلى مؤسسة منفتحة تتنفس بذكاء العصر وتستشرف آفاق المستقبل بوضوح تام وتفاعل يومي مستمر.

