تلوح في الأفق انتخابات برلمانية كتلك التي مرت خلال 8 شتنبر 2021، وهي الانتخابات التي تعيد معها تساؤلات حارقة حول جدوى المسارات السياسية التي استهلكت عقودا من الزمن بإقليم شفشاون دون أثر ملموس على أرض الواقع، حيث يجد المواطن نفسه محاصرا بين مطرقة الوعود المتكررة وسندان الوجوه التي أدمنت تصدر المشهد الانتخابي، وهذه النخب التي يجمع الشارع المحلي على أنها استنفدت كامل رصيدها من الثقة وأثبتت فشلا ذريعا في انتشال الإقليم من براثن التهميش، فبدل أن تكون قبة البرلمان منصة للدفاع الشرس عن حقوق الجبال المنسية تحولت بالنسبة للكثيرين إلى مجرد حصانة شخصية أو امتياز اجتماعي يغيب عنه هم المواطن البسيط، الذي لا يزال يحلم بمستشفى جامعي لائق أو مؤسسات تعليمية تنهي مآسي الهدر المدرسي في المداشر البعيدة.
ويرى العديد من متتبعي الشأن الإقليمي أن الإصرار العجيب لهذه البروفايلات على مواصلة الترشح رغم سنوات القحط التنموي يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة الميكانيزمات الحزبية التي ترفض تجديد الدماء، فالعاصمة الرباط لم تسمع صدى قويا لمشاكل فك العزلة أو أزمات الجفاف التي تخنق القرى إلا في فترات الحملات الموسمية، وهذا التدوير المستمر لنفس الشخصيات يكرس حالة من الجمود السياسي التي تقتل الأمل في نفوس الشباب، ويحول العملية الديمقراطية من أداة للتغيير وتجويد الخدمات العامة إلى مجرد طقس روتيني لإعادة إنتاج الفشل، مما يجعل الناخب الشفشاوني يشعر بأن صوته مجرد رقم في معادلة حزبية لا تضع مصلحة الإقليم ضمن أولوياتها الحقيقية.
وليس العقم في إنتاج الكفاءات هو ما يعيق نهضة الإقليم بل هو الحصار الذي تفرضه الديناصورات السياسية على الطاقات الشابة والوجوه الأكاديمية والمناضلة، فإقليم شفشاون تزخر بأطر عليا وتجارب إنسانية وقامات فكرية قادرة على صياغة ملفات مطلبية احترافية تفرض احترامها في مراكز القرار، لكن جدار التزكيات الذي يُبنى على الولاءات الضيقة والحسابات الانتخابية الصرفة يمنع وصول هذه الكفاءات إلى مراكز المسؤولية، مما يحرم الإقليم من فرصة ذهبية للتحول نحو تنمية حقيقية تقودها عقول تفهم لغة العصر وتدرك حجم التحديات التي يفرضها الواقع الراهن.
ذات المصادر ترى أن بقاء الإقليم ضمن دائرة الأقاليم الأكثر تهميشا ليس قدرا محتوما بل هو نتيجة مباشرة لضعف الترافع السياسي الذي يكتفي بتقديم “فتات” المشاريع بدل انتزاع استثمارات كبرى في البنية التحتية والصحة، فالبرلماني الذي لا يستطيع مواجهة الوزراء بالأرقام والحقائق الميدانية الصادمة يساهم بشكل غير مباشر في إطالة أمد معاناة الساكنة مع الطرقات المقطوعة والمراكز الصحية المهجورة، وهذا الضعف في الأداء البرلماني هو الذي يفسر غياب مشاريع الدولة الاستراتيجية عن الإقليم مقارنة بأقاليم مجاورة عرفت كيف توظف نخبها لجلب التنمية والازدهار.
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أخلاقية وتاريخية في تزكية هذه الوجوه التي أصبحت تشكل عبئا على المسار الديمقراطي المغربي، فالمواطن المثقف لا يقبل اليوم أن يتم استغفاله بشعارات فضفاضة وهو يرى إقليمه يتذيل مؤشرات التنمية البشرية، فغياب المحاسبة السياسية داخل الهياكل الحزبية وعدم الجرأة على إزاحة “الزعماء المحليين” الفاشلين هو ما يدفع بالشباب إلى العزوف والمقاطعة، وهو ما يخدم في نهاية المطاف مصالح تلك الفئة التي تتقن فن اللعب على الحبال الانتخابية وتستفيد من حالة الإحباط السائدة لتمرير أجنداتها الشخصية بعيدا عن طموحات الساكنة.
هذا ويبقى الأمل معلقا على وعي جماعي يكسر هذه الحلقة المفرغة ويفرض منطق الكفاءة والنزاهة فوق كل اعتبار، فالإقليم بحاجة ماسة إلى ثورة في البروفايلات السياسية تعيد الاعتبار للفعل النضالي الجاد وتضع قطار التنمية على سكته الصحيحة، كما أن زمن الترضيات قد ولى ولم يعد هناك متسع للمزيد من السنوات العجاف التي تضيع من عمر أجيال شفشاونية تحلم بالكرامة والعيش الكريم، ولن يتحقق هذا المبتغى إلا بفتح الأبواب أمام النخبة الحقيقية التي تملك من القوة العلمية والأخلاقية ما يكفي لمواجهة التهميش ووضع الإقليم في مكانه الطبيعي كقطب تنموي واعد.

