تتصدر أزمة العرض الصحي في إقليم شفشاون واجهة الأحداث المحلية كواحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث يصطدم الخطاب الرسمي حول تحديث الترسانة الصحية بواقع مرير يرزح تحت وطأته سكان الدواوير والمناطق الجبلية الوعرة، فبينما يتم الإعلان عن تدشينات لمنشآت طبية حديثة بميزانيات ضخمة يجد المواطن نفسه أمام بنايات مهجورة تفتقر إلى الأطقم الطبية والتجهيزات الحيوية، وهو ما حول هذه المرافق في نظر ساكنة دائرة بني أحمد والمناطق المجاورة إلى مجرد جدران إسمنتية صماء تزيد من حدة العزلة والشعور بالإقصاء الممنهج من الحقوق الدستورية الأساسية.
والفجوة الصارخة بين الموارد المالية المرصودة للتشييد وبين رداءة الخدمة العلاجية الفعلية تكشف عن خلل بنيوي في تدبير القطاع الصحي بالإقليم، إذ تظل أبواب العديد من المراكز القروية موصدة في وجه المرضى بسبب غياب الأطباء والممرضين بشكل مستمر، وحتى في الحالات التي تفتح فيها هذه المؤسسات أبوابها فإنها تكتفي بتقديم خدمات أولية لا تتعدى فحوصات شكلية تكرس دورها كمحطات انتظار، مما يفرض على الحالات الحرجة رحلات شاقة ومحفوفة بالمخاطر نحو المستشفيات الجامعية في تطوان وطنجة تحت ذريعة انعدام الاختصاصات والوسائل التقنية الضرورية،
وتتفاقم مأساة الساكنة مع غياب التجهيزات الطبية في مراكز خضعت مؤخرا لعمليات طلاء وترميم لم تلامس الجوهر الطبي، فمن المفارقات الصادمة وجود منشآت صحية لا تتوفر حتى على أجهزة الفحص بالأشعة البسيطة أو مختبرات للتحاليل الأولية، وهذا الوضع يضع السياسة المتبعة في الإقليم تحت مجهر النقد اللاذع لكونها ركزت على “الواجهة العقارية” والصفقات الإنشائية وتجاهلت توفير المعدات اللوجستيكية اللازمة، مما يجعل من شعار “تقريب الخدمة من المواطن” مجرد استهلاك إعلامي لا يجد له أثرا في غرف الفحص الجافة من أبسط المستلزمات،
ويتحول التنقل من أجل العلاج في جبال شفشاون إلى مغامرة غير مأمونة العواقب خاصة بالنسبة للنساء الحوامل والمرضى في حالات استعجالية، إذ تضطر الأسر لقطع مسافات تتجاوز مائة كيلومتر وسط مسالك طرقية بالغة الصعوبة للوصول إلى أقرب قاعة جراحة قادرة على إنقاذ الأرواح، وفي ظل النقص الحاد في سيارات الإسعاف المجهزة تزداد فرص وقوع كوارث إنسانية في الطريق، حيث يتحول حلم الوصول إلى المستشفى إلى سباق مع الموت يكشف بجلاء حجم التقصير في توفير تغطية صحية متكافئة تضمن كرامة الإنسان بغض النظر عن انتمائه الجغرافي أو طبقته الاجتماعية،
وتجد وزارة الصحة نفسها اليوم أمام امتحان حقيقي لاستعادة الثقة المفقودة في المرفق العمومي عبر تجاوز منطق الوعود والمكاتب المكيفة، فالمطلوب يتخطى مجرد بناء جدران جديدة ليلامس ضرورة ضخ موارد بشرية كفؤة وتوطين تكنولوجيا طبية حقيقية في قلب الجماعات القروية، كم ان الاستمرار في نهج “المستشفيات الشبح” لم يعد مقبولا في ظل الوعي المتزايد للساكنة بحقوقها، مما يستدعي تدخلا عاجلا يعيد الاعتبار لمهنة الطب بالإقليم ويضع حدا لمسلسل استنزاف الأرواح في منعرجات الجبال بحثا عن سرير طبي يستجيب لمعايير الإنسانية،

