مع اقتراب فصل الصيف من نهايته، تتهيأ مدينة شفشاون لمرحلة مختلفة تماما عمّا عرفته خلال الأشهر الماضية، فالمدينة الزرقاء التي تكتسي حلة فريدة في أعين زوارها، شهدت هذا الصيف رواجا سياحيا كبيرا وحركية ملحوظة أنعشت فنادقها، مطاعمها، أسواقها التقليدية، وحتى خدمات النقل والأنشطة الثقافية والترفيهية، غير أن هذه الدينامية التي تُعطي انطباعا بالازدهار، ما هي إلا موسم قصير الأمد سرعان ما ينقضي مع رحيل السياح وانخفاض درجات الحرارة.
وفي الخريف والشتاء، تدخل شفشاون في حالة ركود اقتصادي حقيقي، حيث تنخفض معدلات الإقبال السياحي بشكل حاد، وتغلق بعض الأنشطة أبوابها أو تقلص من خدماتها، فيما يواجه جزء من الساكنة صعوبات معيشية مباشرة مرتبطة بتراجع الحركة التجارية، وهذا التذبذب الموسمي يكشف عن هشاشة النموذج الاقتصادي المحلي القائم على السياحة وحدها، دون وجود بدائل اقتصادية أو استراتيجية تعزز الاستدامة.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتفكير جماعي ومسؤول يضم الفاعلين المحليين من جماعة ترابية، مجلس إقليمي، وعمالة الإقليم، إضافة إلى الغرف المهنية والقطاع الخاص، من أجل بناء رؤية تنموية متكاملة تجعل من شفشاون وجهة جاذبة طيلة أيام السنة، لا فقط في الصيف.
كما يمكن أن تبدأ هذه الرؤية من خلال الاستثمار في السياحة البيئية والسياحة الجبلية التي تعرف إقبالا متزايداً على الصعيد الدولي، وتطوير أنشطة مرتبطة بالتراث والثقافة المحلية، كالمهرجانات الموسمية، الفنون التقليدية، والحرف اليدوية.
إلى جانب ذلك، يرى اأبناء شفشاون أنه من الضروري تشجيع خلق مشاريع صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالفلاحة المجالية والمنتجات المحلية، مثل زيت الزيتون، الأعشاب الطبية والعطرية، والصناعات التقليدية، بما يضمن موردا اقتصاديا للسكان في الفترات غير السياحية.
كما أن تعزيز البنية التحتية للتواصل الرقمي والتسويق الإلكتروني للمدينة يعد خطوة حاسمة، فالمدن السياحية العالمية لم تعد تعتمد على موسم بعينه، بل على التسويق المستمر عبر المنصات الرقمية التي تجذب سياحا من مختلف القارات في جميع الفصول.
ومدينة شفشاون، بما تملكه من جمال طبيعي وعمق حضاري، تستحق أن تتحول إلى نموذج تنموي متكامل يوازن بين السياحة المستدامة والتنمية الاقتصادية المحلية، وهنا الرسالة موجهة لكل الفاعلين المؤسساتيين والسياسيين، فلا يمكن للمدينة أن تبقى رهينة موسم صيفي واحد، بل يجب أن تُبنى استراتيجيات شاملة تجعل من الزرقة الشفشاونية مصدر رزق دائم وازدهار مستمر على مدار السنة.

