حل وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد برادة، اليوم الخميس بمدينة شفشاون، وكان من المنتظر أن تكون الزيارة مناسبة للوقوف عن قرب على حقيقة الوضع التعليمي المأساوي الذي يعانيه الإقليم منذ سنوات، غير أن ما جرى بدا أشبه بجولة بروتوكولية هدفها التقاط الصور أكثر من البحث عن حلول.
الإقليم يعيش على وقع أزمات متراكمة؛ مدارس بعيدة عن الدواوير، نقل مدرسي شبه منعدم، بنايات مهترئة ومتهالكة لا تصلح لأن تكون فضاءات لتربية الأجيال، لكن الوزير، بدل أن يضع أصبعه على هذه الجروح العميقة، اختار المرور على مؤسسات “مُزيّنة”، مطلية بالجدران ومرسومة بالجداريات، تُعطي انطباعا زائفا بأن كل شيء بخير.
فهنا في إقليم شفشاون، على سبيل الذكر، يُعتبر النقل المدرسي واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه التلاميذ، خاصة في العالم القروي حيث تتناثر الدواوير على مسافات طويلة ووعرة.
كثير من الأطفال يضطرون إلى قطع كيلومترات مشيا على الأقدام في طرق جبلية خطيرة ووسط ظروف مناخية قاسية، فقط من أجل الوصول إلى أقسامهم.
هذا الوضع لا يؤثر فقط على حضورهم المنتظم، بل يثقل كاهل الأسر التي تعجز عن تحمل تكاليف النقل الخاص أو توفير بدائل مناسبة.
وغياب أسطول كافٍ من حافلات النقل المدرسي، وتردّي حالة القليل الموجود منها، يزيد من معاناة التلاميذ ويجعل الحق في التعليم مهددا بشكل يومي.
ففي وقت يُفترض أن يكون التلميذ منشغلا بالدرس والتحصيل، يجد نفسه في معركة يومية للوصول إلى المدرسة، وهذه الأزمة تعكس هشاشة المنظومة التعليمية في الإقليم وتطرح بإلحاح سؤال العدالة المجالية في ضمان تكافؤ الفرص بين التلميذ القروي والحضري.
وغالبا ما يتجنب المسؤولون، ومنهم وزير التعليم، زيارة المدارس الواقعة في القرى النائية بإقليم شفشاون، لأنها تكشف الوجه الحقيقي والمُحرج للوضع التعليمي، حجرات دراسية متهالكة بلا مرافق أساسية، أقسام بلا سبورات أو تدفئة، وأطفال يدرسون وسط ظروف لا تليق بالمدرسة العمومية.
فبدل أن يواجه الوزير هذه الحقائق الصادمة، يفضّل الاكتفاء بالمؤسسات “النموذجية” القريبة والمهيأة سلفا للكاميرات، في محاولة لرسم صورة وردية تخالف الواقع، وهذه السياسة الانتقائية لا تعكس فقط غياب الشجاعة في مواجهة الاختلالات، بل تؤكد أيضا أن همّ المسؤول أحيانا هو صناعة المشهد الإعلامي أكثر من معالجة عمق الأزمة.
إن زيارة الوزير بهذا الشكل لا تعكس سوى عقلية تجميل الأزمة بدل معالجتها، فالتعليم في شفشاون لا يحتاج صورا جميلة، بل يحتاج إرادة سياسية، استثمارا في البنية التحتية، وتوفير النقل المدرسي، وتكوينا حقيقيا للأساتذة.
أما الاكتفاء بجولات انتقائية، فذلك لا يزيد سوى من تعميق الفجوة بين ما يُروّج رسميًا وما يعيشه التلميذ القروي في واقعه اليومي.
لهذا، شكرا السيد الوزير على زيارتكم “الميمونة” لشفشاون، وشكرا أكبر على عدم اهتمامكم بالمدارس البعيدة في الجبال، حيث يتعلم الأطفال الحروف على الجدران المتشققة، ويجلسون على كراسي مكسّرة إن وُجدت.
شكرا لأنكم فضلتم المدارس المزينة بالرسومات والألوان، بدل تلك التي تفضح واقع التعليم البئيس. لقد أعطيتم للتلاميذ درسا عمليا في أن “الزينة أهم من الجوهر”، وأن المدرسة التي لا تصلح لالتقاط الصور، لا تصلح لزيارة الوزير.

