يعيش إقليم شفشاون واحدة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخه الاجتماعي والاقتصادي، وسط مؤشرات متزايدة على تفاقم الفقر والهشاشة وغياب أي رؤية تنموية حقيقية، فالإقليم الذي كان يُضرب به المثل في الجمال الطبيعي والثراء الثقافي، أصبح اليوم عنوانا للمعاناة، نتيجة تراكم سنوات من الإهمال وضعف السياسات المحلية التي لم تستطع إخراجه من دائرة التهميش والعزلة.
الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب إقليم شفشاون لم تعد خافية على أحد، فالأسر في البوادي تعيش أوضاعا مزرية، تعجز معها عن توفير أبسط شروط العيش الكريم، كما أن ضعف البنيات التحتية، وغياب فرص الشغل، وتراجع الدخل الفلاحي، كلها عوامل جعلت من الحياة اليومية معركة حقيقية من أجل البقاء، ومع كل دورة انتخابية، يتجدد الأمل في وعودٍ جديدة، لكنها سرعان ما تتبخر أمام واقع مرير لا يتغير.
وتبقى البطالة أبرز وجوه هذه الأزمة، خصوصا في صفوف الشباب الذين فقدوا الثقة في الخطابات السياسية وقرارات المجالس المنتخبة، وأمام انسداد الأفق، يختار الكثيرون طريق الهجرة، سواء نحو المدن الكبرى أو عبر قوارب الموت في اتجاه أوروبا، في محاولة يائسة للهروب من واقع لا يرحم، ومع كل موجة هجرة جديدة، يخسر الإقليم طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في تنميته لو وُجدت الإرادة السياسية الحقيقية.
ولسنوات طويلة، ظل جزء كبير من سكان الإقليم يعتمدون على زراعة القنب الهندي كمصدر رزق وحيد، في ظل غياب بدائل اقتصادية جادة، ورغم شروع الدولة في تقنين هذه الزراعة، فإن غياب المتابعة المحلية والتخطيط العلمي جعل التقنين مجرد إجراء إداري لم ينعكس إيجابا على الفلاحين، بل ما زال كثيرون عالقين بين مطرقة الفقر وسندان القانون، في انتظار مشاريع تنموية بديلة قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتنعكس هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الجانب النفسي للسكان، حيث تُسجل نسب انتحار مقلقة في مناطق الإقليم، في ظل هشاشة الوعي بالصحة النفسية وغياب مبادرات للتأطير والدعم الاجتماعي، كل ذلك يعكس هشاشة بنيوية تُعمّقها سياسات محلية غائبة أو غير فعّالة، ومجالس منتخبة مشغولة بالمزايدات السياسية أكثر من انشغالها بمصالح المواطنين.

