جريدة “شاوني” ترصد التأثير المتفاقم للجفاف وتغير المناخ على الموارد المائية في إقليم شفشاون، حيث تراجعت المنابع والوديان بشكل مقلق بسبب سبع سنوات من القحط، كما تحذر من مخاطر ندرة المياه على الزراعة والسكان المحليين، وتبرز الحاجة إلى حلول مستدامة مثل تحلية المياه وإعادة استعمال المياه العادمة، يقدم المقال صورة دقيقة عن أزمة العطش التي تهدد شفشاون والمغرب ككل.
تعيش مدينة شفشاون، المعروفة بجمالها الطبيعي ووفرة مياهها الجبلية، واحدة من أصعب المراحل البيئية في تاريخها الحديث، فبعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، أصبحت المدينة تواجه أزمة مائية خانقة تهدد حياة السكان والفلاحين، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع بفعل التغيرات المناخية وغياب تدبير مستدام للموارد الطبيعية.
تشير تقارير ميدانية بيئية إلى أن إقليم شفشاون سجّل خلال السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا في معدلات التساقطات المطرية، مقابل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وهو ما أثر بشكل مباشر على الفرشة المائية والينابيع الجبلية التي تعد المصدر الأساسي لمياه الشرب والري في المنطقة.
ويُعتبر واديا العين الزرقاء وفاسيف من أبرز المجاري المائية التي تأثرت بالجفاف، حيث انخفض منسوب مياههما بشكل كبير، ما أدى إلى توقف العديد من الأنشطة الفلاحية التقليدية التي كانت تعتمد عليهما منذ عقود.
الفلاحون الصغار أول المتضررين وأزمة خانقة تحكم قبضتها

وفي الوقت الذي تمكن فيه بعض الفلاحين الكبار من مواجهة الأزمة عبر حفر آبار عميقة واستعمال تجهيزات ضخمة لاستخراج المياه، يجد الفلاحون الصغار أنفسهم عاجزين عن تمويل الحلول البديلة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي المحلي بنسبة كبيرة.
وتشير مصادر محلية إلى أن زراعة الزيتون والخضروات الجبلية تكاد تختفي من بعض المناطق، بعدما كانت تشكل مصدر رزق لعشرات الأسر القروية.
وكشفت آخر المعطيات الصادرة بتاريخ الاثنين 13 أكتوبر 2025، عن تسجيل نسبة ملء إجمالية للسدود المغربية تبلغ 32.1%، أي ما يعادل 5384 مليون متر مكعب، مما يعكس استمرار التحديات المائية التي تواجهها المملكة، وتفاوتا ملحوظا بين مختلف الأحواض، وبلغ سد شفشاون بـ85%، ما يؤكد الوضع الهش للمنظومة المائية في المنطقة رغم هذه النسبة التي يتصدر بها منطقة الشمال.
دراسة مغربية-فرنسية حديثة تناولت أثر تغير المناخ على الأحواض المائية بالمغرب، أكدت أن تدفقات الأنهار المغربية قد تتراجع بما بين 16% و44% بحلول سنة 2100، وهو ما يعني أن المناطق الجبلية مثل شفشاون ستعرف اختفاء تدريجيا للعيون الطبيعية وانخفاضا في تغذية الفرشة المائية.
تحذير الخبراء مستمر والتهدير يطال التنوع البيولوجي
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى تحول بيئي جذري يغير النظام الإيكولوجي للمنطقة ويهدد التنوع الحيوي الذي تتميز به جبال الريف.
وتوضح التقارير المحلية أن جزءا من الأزمة مرتبط بالاستغلال المفرط للموارد المائية، حيث استحوذ بعض كبار الفلاحين على المنابع المائية والوديان الحيوية، مستعملين تقنيات ضخ قوية لري مزارعهم، ما أدى إلى استنزاف الفرشة المائية التي كانت تغذي باقي الأراضي الزراعية.
كما ساهمت الزراعة العشوائية وغير المنظمة في استهلاك مفرط للمياه دون اعتماد أنظمة السقي الحديثة، مثل التنقيط، التي توفر ما يصل إلى 50% من الموارد المائية.
أمام هذا الوضع المتأزم، يدعو خبراء البيئة إلى اعتماد مقاربة جديدة وشاملة لتدبير المياه في شفشاون، تقوم على التوفيق بين التنمية الفلاحية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتشمل الحلول المقترحة؛ توسيع مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة لأغراض الري، والتحول إلى الزراعات الأقل استهلاكا للماء، ومراقبة حفر الآبار العشوائية التي تسرّع وتيرة الجفاف، وإطلاق مشاريع لتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية القريبة لتزويد شفشاون بالماء الصالح للشرب.
ورغم اعتراف الجهات الرسمية بخطورة الوضع، إلا أن مراقبين يؤكدون أن المشكل لم يعد تقنيا فقط بل سياسيا بالدرجة الأولى، ويتطلب إرادة حقيقية لتطبيق قوانين حماية الموارد المائية ومحاسبة المتورطين في الاستنزاف غير المشروع للمياه.

