تفاعلت رئاسة النيابة العامة مع التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، والتي شكك فيها في جودة الدقيق المدعم الممول من المال العام، موجها اتهامات خطيرة لبعض أرباب المطاحن بـ“طحن الورق مع الدقيق”، قبل أن يتراجع لاحقا عن تلك التصريحات.
وحسب ما أوردته جريدة الأخبار في عددها ليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، فقد باشرت رئاسة النيابة العامة بحثا قضائيا حول هذه الاتهامات، حيث أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط تعليماته إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لفتح تحقيق شامل، يشمل الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية بالملف.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) عن تسجيل مخالفات لدى بعض المطاحن تتعلق بعدم احترام المعايير الصحية في إنتاج الدقيق، وأوضحت المصادر أن المكتب قام خلال سنة 2025 بسحب 9 رخص صحية وتعليق 4 رخص أخرى تخص مطاحن غير مطابقة للمعايير، كما تم، خلال الفترة نفسها، أخذ 577 عينة من الدقيق على مستوى المطاحن والأسواق، نتج عنها حجز وإتلاف 33 طناً، وإحالة 60 ملفاً على المصالح المختصة.
أما في سنة 2024، فقد تم أخذ 710 عينات من الدقيق في مختلف نقاط البيع والمطاحن، وأسفرت المراقبة عن إتلاف 38 طنا من الدقيق غير الصالح، مع إحالة 89 ملفاً على الجهات المختصة للبت فيها، وأكدت المصادر أن المكتب منح إلى غاية سنة 2025 191 ترخيصاً صحياً للمطاحن بعد التحقق من مطابقتها لمعايير النظافة والسلامة، كما نفذ 212 زيارة تفتيشية خلال سنتي 2024 و2025 في إطار برنامجه الوطني لمراقبة جودة الدقيق.
ويشمل هذا البرنامج تحاليل دقيقة للعينات من أجل التأكد من خلوها من الملوثات مثل الأفلاتوكسين والأوكراتوكسين A والزيرالينون، فضلاً عن التحقق من نسب المعادن، والرطوبة، والحديد، والبروتين، والحموضة الدهنية. كما تجري لجان مختلطة عمليات مراقبة ميدانية بالأسواق ونقاط البيع للتأكد من احترام شروط السلامة الصحية.
وتحدثت مصادر من أرباب المطاحن وتجار الجملة عن وجود تلاعبات خطيرة في توزيع الدقيق المدعم الموجه للفئات الفقيرة، حيث يتم التحايل على الدعم العمومي وتحويل جزء من الدقيق إلى السوق السوداء. وأشارت المصادر إلى أن كيس الدقيق المدعم الذي حدد سعره الرسمي في 100 درهم لوزن 50 كيلوغراماً، يُباع فعلياً في الأسواق بأزيد من 160 درهماً، في حين أن السعر الرسمي للكيلوغرام الواحد من الدقيق المدعم محدد في درهمين و20 سنتيماً، وهو سعر غير موجود فعلياً في الأسواق.
وتضيف المعطيات التي توصلت بها الجريدة أن بعض أرباب المطاحن، بتواطؤ مع موظفين في المكتب الوطني للحبوب والقطاني، يقومون بتزوير الفواتير والوثائق لتصريف الدقيق المدعم على أنه غير مدعم، وبيعه بأسعار السوق الحرة التي تتجاوز 3 دراهم للكيلوغرام الواحد، مع تخزين كميات كبيرة في مستودعات سرية للمضاربة.
ويُنتظر أن تكشف التحقيقات الجارية بإشراف النيابة العامة عن مدى صحة الاتهامات التي فجّرها رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، والتي أعادت إلى الواجهة ملف جودة الدقيق المدعم واستعمال المال العام في هذا القطاع الحساس.

