يشهد عدد من المواطنين في الآونة الأخيرة مفاجآت غير سارة خلال إنجازهم لإجراءات إدارية عادية بمصالح الأمن أو الدرك، أو أثناء خضوعهم للاستماع، أو خلال المراقبة الروتينية على الطرق، حين يُبلغون بشكل غير متوقع بأنهم موضوع مذكرات بحث قضائية، تستدعي نقلهم فورا إلى مصالح الشرطة القضائية بالمنطقة التي أصدرت الحكم في حقهم، والأمر في كثير من الأحيان لا يتعلق بجرائم خطيرة، بل بمخالفات مرورية بسيطة، تحولت مع مرور الزمن وتراكم الرسوم إلى ملفات قضائية مفعّلة بالإكراه البدني.
وحسب معطيات أوردتها يومية “الصباح”، فإن بعض هذه المذكرات ترتبط بمخالفات سرعة مسجلة بالرادار الثابت، ورغم بساطتها فإنها تخلق عبئا إضافيا على مصالح الأمن والمحاكم وحتى السجون، ففي حالة سجلت الاثنين الماضي بدائرة الرحمة بالدار البيضاء، تفاجأ شخص، خلال مثوله أمام الشرطة، بكونه مطلوبا لتنفيذ الإكراه البدني بسبب مخالفة مرورية رصدها الرادار الثابت، تتعلق بالسير بسرعة تقل عن 20 كيلومترا في الساعة عن السرعة المحددة قانونا، ليكتشف أن ملفه أحيل منذ سنوات على المحكمة الزجرية عين السبع دون أن يكون على علم بمآل المسطرة.
الملف المذكور يعود إلى تاريخ 19 أبريل 2018، حيث صدر في حق المعني بالأمر حكم غيابي بغرامة مالية قدرها 400 درهم، ارتفعت لاحقا إلى 430 درهما بعد إضافة 30 درهما كرسم إداري، وبعد إبلاغه بوضعه القانوني، سارع الشخص إلى مباشرة الإجراءات لدى مصالح الأمن لاستكمال المسطرة وأداء المبلغ لتفادي تنفيذ الإكراه البدني.
وتتزامن هذه الحالات مع العد التنازلي لدخول تعديلات قانون المسطرة الجنائية الجديد حيز التنفيذ في 8 دجنبر المقبل، وهي تعديلات لم تلغِ الإكراه البدني بشكل كلي، لكنها رفعت سقف المبالغ المالية التي يمكن بخصوصها اللجوء إلى هذا الإجراء، وحصرته في الديون التي تفوق 8000 درهم.
هذا التغيير من شأنه، وفق فاعلين حقوقيين، أن يجنّب عددا كبيرا من المواطنين السجن بسبب مخالفات أو غرامات بسيطة، ويخفف العبء عن مؤسسات السجون التي تستقبل، في مثل هذه الحالات، محكومين بسبب ديون زهيدة لا تتناسب مع أثر العقوبة السجنية على حياتهم الأسرية والمهنية.
مصدر حقوقي أوضح أن مدة الإكراه البدني في إطار النص السابق، بالنسبة للمحكومين غيابيا في مخالفات السير المراقبة بالرادار الثابت، كانت تتراوح بين 6 و20 يوما، وفق مقتضيات الفصل 638 من قانون المسطرة الجنائية، وهو ما كان يثير انتقادات متكررة من الجمعيات الحقوقية التي اعتبرت هذا الإجراء غير متناسب مع طبيعة هذه المخالفات، غير أن القانون الجديد ألغى العمل بهذا المقتضى في ما يخص هذه الفئة من الملفات، وربط اللجوء للإكراه البدني بالديون الكبيرة فقط، في محاولة لتحقيق توازن أكبر بين حماية النظام العام المالي وتنفيذ الأحكام من جهة، وضمان عدم الزج بالمواطنين في السجن بسبب مبالغ محدودة من جهة أخرى.

