يشكل مشروع تزويد حي لوبار بالماء الصالح للشرب بجماعة باب تازة بإقليم شفشاون نموذجا جديدا لحضور الدولة في عمق المناطق الجبلية، ضمن رؤية تروم محاربة الهشاشة وتكريس العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وبينما يبدو الأمر، ظاهريا، مجرد إعلان عن طلب عروض مفتوح منشور وفق المساطر الإدارية المعتادة، فإن ما تحمله هذه الصفقة من أبعاد اجتماعية وتنموية يتجاوز بكثير لغة الأرقام والجداول التقنية.
وفي إطار برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لمحاربة الهشاشة، تم الإعلان عن طلب عروض مفتوح رقم DCT/TRAV AEP QUARTIER LOUBAR – BAB TAZA – LOT EQUIPEMENT/INDH/CH/270-25، المتعلق بأشغال تزويد حي لوبار بالماء الصالح للشرب، حصة التجهيز، مع تحديد يوم الأربعاء 17 دجنبر 2025 على الساعة الثانية بعد الزوال، بمكاتب وكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال بطنجة، موعدا لفتح الأظرفة في جلسة عمومية، وفق ما يفرضه مرسوم الصفقات العمومية رقم 2-22-431 الصادر في 8 مارس 2023.
وقد تم تحديد مبلغ الضمان المؤقت في ثمانية آلاف درهم، فيما قُدرت تكلفة الأشغال في مبلغ 447.840,00 درهما شاملة لجميع الرسوم، على أن يتم إيداع ملفات المتنافسين إلكترونيا عبر بوابة الصفقات العمومية، في خطوة تعكس توجه الإدارة نحو رقمنة مساطر الولوج إلى الطلبيات العمومية.
هذا المشروع لا يقتصر على ربط بسيط أو إصلاح محدود، بل يتعلق بإنجاز بنية مائية متكاملة موجهة لفائدة حي لوبار العليا بجماعة باب تازة، وهي منطقة جبلية تعاني منذ سنوات من صعوبات في الولوج المنتظم إلى الماء الصالح للشرب.
الوثائق الخاصة بالصفقة تكشف أن الأشغال تشمل بناء خزان مائي جديد نصف مدفون بسعة 75 متر مكعب، مخصص للتزويد بالماء بواسطة الضخ، وإنجاز القناة المرتبطة به، إلى جانب تجهيز محطة الضخ بمعدات هيدروليكية وكهربائية متطورة، من بينها مجموعات ضخ كهربائية بمواصفات تقنية دقيقة، بتدفق يقدر بـ3 لترات في الثانية وارتفاع إجمالي يصل إلى 165 مترا، مع جميع أشغال الربط الهيدروليكي والكهربائي الضرورية لضمان اشتغال المنظومة بكفاءة واستمرارية.
وبالعودة إلى البنية القانونية والتعاقدية للمشروع، يظهر أن الصفقة أبرمت في إطار طلب عروض مفتوح على أساس أثمان، في جلسة عمومية، تطبيقا لمقتضيات المواد 19 و20 و30 و36 من مرسوم الصفقات العمومية، بما يعزز مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص بين المقاولات.
ويتولى مهمة صاحب المشروع في هذه العملية المدير العام لوكالة إنعاش وتنمية الشمال، فيما تسند مهمة صاحب المشروع المنتدب إلى المديرية الإقليمية للمقاولة الجهوية متعددة الخدمات طنجة–تطوان–الحسيمة بشفشاون، وهو توزيع للأدوار يعكس حرص الدولة على إشراك مؤسسات متخصصة في تتبع وتنفيذ المشاريع الميدانية، خاصة في المجالات التقنية الحساسة مثل الماء والتجهيزات الأساسية.
من الناحية التعاقدية، يتكون ملف الصفقة من سند الالتزام والدفتر الخاص للشروط، وجداول الأثمنة والتفاصيل التقديرية والتفاصيل الفرعية للأثمان، إضافة إلى ملف التنفيذ الذي يضم الرسومات والمذكرات التقنية، ثم دفاتر الشروط المشتركة والإدارية العامة المعمول بها في صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة. هذا الترتيب ليس شكلياً فقط، بل يحدد هرمية الأولوية في حال وجود أي تعارض بين الوثائق، ويمنح للمتعهد، بمجرد توقيعه سند الالتزام، وضعية الطرف الملم بجميع المقتضيات والملتزم مسبقا بتطبيقها دون إمكانية التملص بحجة الجهل بالنصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة.
الصفقة تخضع كذلك لمجموعة واسعة من القوانين والظهائر، المتعلقة برهن الصفقات والضريبة على القيمة المضافة ومدونة الشغل وحماية البيئة والتأمينات والمالية وآجال الأداء ومراجعة الأثمان والنقل واستخراج الرمال ومواد البناء والمعايير التقنية المغربية أو الدولية، ما يجعل المقاولة الفائزة ملزمة باحترام منظومة تشريعية متشابكة تضمن، من حيث المبدأ، حماية المال العام وضمان جودة الأشغال وسلامة المستفيدين. كما تنص الشروط على إمكانية رهن الصفقة لفائدة المؤسسات البنكية في إطار القانون 112-13، مع تحديد الجهة المخولة بالتصفية وتقديم المعلومات حول وضعية الصفقة، وهو ما يمنح للمقاول هامشاً من المرونة في تعبئة التمويلات دون المساس بالتزامات الإنجاز.
ومن بين المقتضيات اللافتة أيضاً، السماح باللجوء إلى المناولة في حدود 50 في المائة من المبلغ الإجمالي للصفقة شريطة ألا تمس الأشغال الرئيسية، وأن يكون المقاولون من الباطن مقيمين بالمغرب ويستوفون نفس شروط المتنافسين المنصوص عليها في المادة 27 من المرسوم 2-22-431. كما يحتفظ صاحب المشروع بحق رفض أي مقاول من الباطن خلال أجل 15 يوماً إذا تبين أنه لا يستجيب للشروط القانونية أو التقنية المطلوبة، مع إلزام صاحب الصفقة بالإدلاء بما يثبت أداء مستحقات هؤلاء المتعاقدين من الباطن، في محاولة للحد من ظاهرة استغلال اليد العاملة والمقاولات الصغرى في سلاسل الإنتاج دون ضمان حقوقها المالية.
أما بخصوص آجال التنفيذ، فقد حُدّد أجل إنجاز الأشغال في ستة أشهر ابتداءً من التاريخ المنصوص عليه في أمر الخدمة بالشروع في العمل، وهو أجل يبدو طموحاً بالنظر إلى طبيعة الأشغال في منطقة جبلية وما يتطلبه ذلك من تعبئة لوجستية وتقنية خاصة. غير أن نجاح مثل هذه المشاريع لا يقاس فقط باحترام الآجال التعاقدية، بل كذلك بجودة التنفيذ واستدامة المرفق، خاصة وأن الأمر يتعلق بالماء الصالح للشرب، الذي يمثل شرياناً للحياة ومحدداً أساسياً للاستقرار المجالي والاقتصادي والاجتماعي.
في العمق، يعكس هذا المشروع امتداداً عملياً لسياسات الدولة في مجال تعميم الولوج إلى الماء الصالح للشرب في العالم القروي والمناطق الجبلية، ويترجم حضور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كرافعة تمويلية ومؤسساتية موجهة بالأساس إلى محاربة مظاهر الهشاشة. فحي لوبار بجماعة باب تازة ليس مجرد نقطة على خريطة الصفقات العمومية، بل فضاء يعيش فيه مواطنون عانوا لسنوات من مشاق جلب الماء من العيون والآبار والوديان، في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال الذين يتحملون في كثير من الأحيان عبء هذه المهمة اليومية الشاقة.
ومن المنتظر، في حال تنفيذ المشروع وفق المواصفات التقنية والمعايير القانونية المنصوص عليها، أن يشكل هذا الخزان الجديد ومحطة الضخ المجهزة نقلة نوعية في حياة سكان الحي، من خلال ضمان تزويد منتظم بالماء الصالح للشرب، وتحسين شروط الصحة العامة، وتقليص الهدر الزمني المرتبط برحلات جلب الماء، وفتح آفاق جديدة للاستثمار الصغير المدَر للدخل، خاصة في مجالات الفلاحة الصغيرة، والخدمات، والأنشطة السياحية القروية التي بدأت تعرف دينامية في إقليم شفشاون.
أما من الزاوية الرقابية، فإن نشر الإعلان عن طلب العروض، وتحديد الضمانات والتكلفة التقديرية، واعتماد الإيداع الإلكتروني، والخضوع لمقتضيات مرسوم الصفقات العمومية، كلها عناصر تعزز شفافية العملية وتتيح للمقاولات الوطنية، خصوصاً الصغرى والمتوسطة، فرصة الدخول في المنافسة على إنجاز مشروع يحمل بعداً اجتماعياً واضحاً. غير أن الرهان الحقيقي سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة آليات التتبع والمراقبة التقنية والمالية على ضمان أن تتحول هذه الأرقام والوثائق إلى منشأة مائية قائمة فعلاً، ذات مردودية وجودة واستمرارية في الخدمة.
في النهاية، لا يمكن قراءة مشروع تزويد حي لوبار بالماء الصالح للشرب بمجرد كونه صفقة بقيمة 447 ألف درهم مبرمة بين وكالة إنعاش وتنمية الشمال ومقاول أو أكثر، بل باعتباره حلقة ضمن سلسلة من التدخلات الهادفة إلى تقليص الفوارق المجالية داخل جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، وجزءاً من معركة أوسع يخوضها المغرب لتأمين الحقوق الأساسية في الماء والعيش الكريم في كل ربوعه، بما في ذلك القرى المنسية في أعالي جبال شفشاون.

