أمام المسجد الذي يستقر أعلى التلة وسط دوار أحلوس بجماعة المنصورة بإقليم شفشاون، يجلس شاب في بداية الثلاثينات من عمره على حجرة مشروخة، يتأمل قطع الأراضي المتناثرة على السفوح، يرفع رأسه قليلا، ثم يقول بنبرة حاسمة “ماكاين حتى بديل من غير الكيف فهاذ الأرض، والّي كيقُول العكس يجي يورّينا شنو هو”.
هذه الجملة لم تكن مجرد رأي عابر، بل كانت خلاصة جيل تربى على واقع واحد وهو الأرض هنا مرتبطة بزراعة القنب الهندي منذ عقود، والخيارات الأخرى تبدو، في نظر كثيرين، مجرد شعارات تُقال في المكاتب المكيفة، لا في الحقول الموحلة.
لكن، قبل أن يسكت صدى كلامه، جاءه رد حاد من صديق له كان يجلس إلى جواره “لا، كاين البديل… وحنا اللي خاصنا نخدمو عليه ونجتهدو، ما شي غير نقولو ماكاين والو ونسدو الباب”. -تم ضبط اللهجة الجبلية المحلية إلى العامية المتداولة-:
وبين الجملة الأولى والجملة الثانية، يمكن تلخيص معركة صامتة تعيشها بني أحمد الشرقية؛ معركة بين عقلية الاتكال على “الكيف”، وبين جيل جديد بدأ يدرك أن هذا الاقتصاد يحتضر ببطء، وأن الزمن تغير، وأن اللعب على ورقة واحدة – هي القنب الهندي – صار مخاطرة حقيقية.
شتاء بدون عمل
في هذه المناطق، ليست السنة كلها عملا، فالمزارعون يشتغلون في فترات محددة، ثم يدخلون في فترة “سبات اقتصادي” طويل، فمع بداية فصل الشتاء، وإلى حدود أواخر مارس تقريبا، يتراجع النشاط الفلاحي المرتبط بزراعة القنب الهندي، لتصبح أيام القرية شبيهة بساعات ممددة من الانتظار.
ومع حلول نهاية مارس، يبدأ الحرث، ثم تأتي مرحلة العناية بالمحصول، وصولا إلى بداية يونيو حيث يرتفع الإيقاع، وينشغل الجميع في الحقول حتى نهاية شتنبر، موعد الحصاد والتجفيف والبيع.
وخلال هذه الفترة، تبدو الدواوير مكتظة بالحركة، والبيوت مشغولة، والرجال والنساء في الحقول… لكن ما إن تباع المحاصيل، حتى تعود القرية إلى حالة الهدوء المربك، كأن الزمن يتوقف إلى حين موسم جديد.
يشرح الشاب الثلاثيني ذلك بقوله: “الكيف ماشي خدمة طول العام… هو موسم. كتخدم شوية وتبقى تستنى الفلوس، إلى جات كثيرة تفرح، إلى جات قليلة تقول العام الجاي يكون أحسن”.
هذه العقلية، كما يصفها، تشبه لعبة القمار رهان على موسم واحد، بدون خطط بديلة، وبدون مشاريع مستمرة تضمن دخلا ثابتا أو شبه ثابت.
الربح السريع
في أحاديث كثيرة أجرتها جريدة “شاوني” مع أبناء بني أحمد، يتضح أن الصورة المثالية التي يحملها البعض عن “ربح الكيف” لم تعد تعكس الواقع الحالي، فأسعار القنب الهندي ومشتقاته تراجعت بشكل كبير، و”الحشيش” الذي كان في زمن سابق يفتح أبواب الرفاه لعدد من الأسر، أصبح اليوم يباع بأثمنة “بخسة”، بالكاد تغطي تكاليف الزراعة والسقي واليد العاملة.
يقول أحد الشباب الذين التقتهم الجريدة قرب إحدى المسالك الوعرة “الناس باقي عايشة على وهم الربح السريع… كيحسو راسهم دايرين تجارة ذهب، ولكن فالحقيقة إيلا حسبتي مصاريف الزرع، والسقي، واليد العاملة، والديون… غادي تلقى راسك خدام غير باش تخلص، ماشي باش تربح.”
هكذا صار “الاقتصاد الأخضر” في هذه المناطق اقتصادا باهتا، يعيش على ذاكرة ماض كان فيه الكيف “سيد المواسم”، قبل أن تتغير المعادلات؛ وتشديد المراقبة، وتغير طرق التهريب، وتراجع الطلب، وظهور مناطق وأشكال أخرى من التجارة غير القانونية.
لعنة الكيف
خلال جولة “شاوني” في المنطقة، برزت عبارة متكررة على ألسنة عدد من الشباب: “لعنة الكيف”، هؤلاء لا ينظرون إلى القنب الهندي فقط كنبتة غير قانونية، بل كـ”فلسفة عيش” عطّلت التنمية، وشجعت على الكسل، وربطت مصير مئات العائلات بموسم واحد، وبسوق لا يملكون التحكم في قواعدها.
شاب من أبناء بني أحمد قال للجريدة “اللي قتل المنطقة ماشي غير الكيف كنبتة… اللي قتلها هو العقلية ديال نخدم شهرين ولا ثلاثة، ونجلس العام كامل نتسنى الفلوس تسالي. هاذ العقلية خنقات الاجتهاد وخنقات أي مشروع آخر”.
ومن بين المواقف المشتركة التي عبّر عنها العديد من أبناء المنطقة، شعورهم العميق بوجود “اختلال في ميزان الاستفادة”،
فحسب تصريحاتهم، كبار الفلاحين الذين يمتلكون مساحات واسعة من الأراضي، هم المستفيد الأول من هذا النمط الزراعي، بينما يظل الفلاح البسيط حبيس الشقاء، يكدح في الأرض دون أن يضمن حياة كريمة.
الشعور بعدم العدالة يغذي، بدوره، رفضا صامتا لدى جيل جديد من أبناء المنطقة، الذين بدأوا يطرحون السؤال المؤلم: “واش غادي نبقاو نورثو الشقاء جيلا بعد جيل؟”
وما لا يختلف حوله أبناء بني أحمد الشرقية هو أن المنطقة تتوفر على تربة خصبة، قادرة على احتضان أنواع متعددة من الزراعات، فالأرض هنا ليست مجرد فضاء لزراعة القنب الهندي فقط، بل يمكن أن تنتج الخضراوات بأنواعها، والأعلاف، والأشجار المثمرة، وتوفر مجالا لتربية المواشي والدواجن، وإنشاء سلاسل إنتاج محلية متكاملة.
يقول أحد المزارعين الشباب، وقد اختار قبل سنوات الانتقال إلى زراعة الخضروات الموسمية وتربية الأغنام في اتصال هاتف مع موقع شاوني “اللي خاصنا نفهموه هو أن العيش في البادية يعني العمل في الفلاحة، وماشي العمل في نبتة وحدة. الفلاحة ماشي هي الكيف فقط. الفلاحة ممكن تعطيك مداخيل طوال العام.. خضرة، مواشي، دواجن… إلى عرفتي كيفاش تخدم وتسوق المنتوج ديالك”.
ويضيف “الأرض خصبة… وباقي اللي خصنا هو سواعد خصبة، وشباب يفهم بأن طلب ود الأرض كيجي بالعرق اليومي، ماشي بانتظار منتوج واحد”.
وخلال الأحاديث المتفرقة التي أجرتها “شاوني” مع شباب بني أحمد، برز خط واضح يفصل بين عقليتين؛ عقلية الاتّكال حيث ترى أن “الواقع هو هذا”، وأن القنب الهندي هو الخيار الوحيد، وأن أي كلام عن بدائل مجرد أوهام لا علاقة لها بواقع الجبال، وأصحاب هذا الطرح يستحضرون ضعف البنيات التحتية، غياب الدعم الفلاحي الكافي، صعوبة الولوج إلى الأسواق، وغياب التأطير التقني، وبين روح المبادرة يمثلها شباب بدأوا يتحدثون عن مشاريع ملموسة؛ زراعة البطاطس، الطماطم، الفول، الحبوب، تربية الدواجن والأغنام، إنتاج البيض، إنشاء تعاونيات صغيرة لتسويق منتجات محلية… هؤلاء يؤمنون بأن البديل موجود، لكنه يحتاج إلى شجاعة القرار، واستعداد لتحمل سنوات من العمل قبل جني الثمار.
أحد هؤلاء الشباب لخص الموقف قائلا “البديل ماشي وصفة سحرية غادي تجي من الرباط، البديل هو أننا نبدلو العقلية، ونبداو بمشاريع صغيرة، ونقبل نطيحو ونوقّفو راسنا مرة ومرتين حتى تنجحو التجربة.”
من “موت الاقتصاد” إلى البحث عن حياة جديدة
“موت الاقتصاد”… هكذا وصف بعض المتحدثين لـ”شاوني” الوضع الحالي المرتبط بزراعة القنب الهندي، فهذا الاقتصاد، الذي كان في زمن مضى يعتبر “مورد رزق أساسي”، لم يعد اليوم قادرا على ضمان الاستقرار المادي لكثير من الأسر، والأسوأ من ذلك، أنه عطل ظهور اقتصاد بديل مبني على تنويع الأنشطة الفلاحية والمهنية.
العديد من الشبان أكدوا أن استمرار الاعتماد على القنب الهندي وحده هو “نهج غير سليم”، والدليل – كما قالوا – هو النتائج التي تعيشها المنطقة اليوم؛ ديون متراكمة، شباب عاطل لفترات طويلة من السنة، هجرة متزايدة نحو المدن أو الخارج، وأرض لم تُستثمر بعد في كامل طاقتها.
ورغم تشابك الإشكالات؛ قانونية، اقتصادية، اجتماعية، يبقى صوت واحد يرتفع بين الحقول والمسالك الترابية لبني أحمد الشرقية “الفلاحة هي الأصل”، وهذا الصوت يدعو إلى العودة إلى معنى العيش في البادية والارتباط اليومي بالأرض، والعمل المتواصل، وإنتاج الخضراوات، وتربية المواشي والدواجن، وتقديم منتوج جيد للزبائن في الأسواق المحلية والجهوية، وبناء اسم تجاري صغير، ولو في حدود القرية أو الجماعة.
أحد الفلاحين الشباب لخص هذا التصور بكلمات بسيطة لكنها عميقة “إلى خدمتي الأرض بجد، وغرستي الخضرة، وربيتي الكسيبة، وخدمتي بضمير، راه غادي يكون عندك مدخول طول العام”.
والبديل، كما يرى كثير من أبناء بني أحمد، ليس شعارا سياسيا ولا قرارا يُكتب في الأوراق فقط، بل مسار عملي يحتاج إلى إرادة من السكان، ودعم فعلي من الدولة، وتأطير من المختصين، وربط حقيقي بين المنتوج الفلاحي والأسواق.
أما هذه الأرض، بأوديتها وأشجارها وتربتها الحمراء الخصبة، فهي مستعدة لأن تحكي قصة جديدة… بشرط أن تجد من يمد لها يده، لا ليزرع فيها نبتة واحدة فقط، بل ليفتح أمامها حقولا من الاحتمالات.

