شاوني | ذاكرة المكان
شفشاون وصناعة صورة «اللؤلؤة الزرقاء»
من النشأة التاريخية إلى بناء الهوية السياحية والثقافية للمدينة
لم تعد شفشاون تُعرف فقط بتاريخها وموقعها في جبال الريف الغربي، بل أصبحت صورتها الزرقاء علامة بصرية متداولة داخل المغرب وخارجه. غير أن هذه الصورة لم تتشكل تلقائياً؛ فهي حصيلة تاريخ طويل، وتحولات عمرانية واجتماعية، ومبادرات محلية سعت إلى تثمين التراث وتسويق المدينة سياحياً وثقافياً.
عن الدراسة
يعتمد هذا المقال على دراسة خالد غيلان: Du processus de production d’une nouvelle image de la ville de Chefchaouen (Rif occidental)، وعنوانها بالإنجليزية: The process of producing a new image of the city of Chefchaouen (Western Rif).
مدينة تأسست في سياق تاريخي مضطرب
تؤرخ الدراسة تأسيس شفشاون بسنة 1471، حين أُنشئت في شمال المغرب في سياق المواجهة مع التوسع الإيبيري. وارتبطت نشأتها بالجانب الدفاعي والديني، قبل أن تصبح مركزاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً في المنطقة. ويُعد تاريخ بني راشد، والجامع الكبير، وصلات المدينة بمحيطها الجبلي، عناصر أساسية لفهم تشكل مكانتها.
ومع سقوط غرناطة وانتهاء الحكم الإسلامي في الأندلس، استقبلت المنطقة موجات من المهاجرين الأندلسيين، إلى جانب يهود سفارديين وموريسكيين في مراحل مختلفة. وأسهمت هذه التحركات السكانية في تشكيل ملامح من العمارة والعادات والحرف التي ارتبطت بذاكرة المدينة، وإن كانت تفاصيل هذه التحولات تحتاج إلى قراءة المصادر التاريخية ومقارنتها.

من مدينة محلية إلى مركز إداري وسياحي
خلال فترة الحماية الإسبانية في شمال المغرب، احتُلت شفشاون سنة 1920، وأصبحت مركزاً إدارياً وحامية عسكرية في منطقة حدودية. وشهدت تلك المرحلة إقامة أحياء جديدة خارج النسيج التاريخي، بينما حافظت أجزاء من المدينة العتيقة على طابعها المعماري التقليدي، رغم التحولات التي مست الاقتصاد المحلي والحرف.
وبعد الاستقلال، واجهت المدينة تحديات مرتبطة بمحدودية النشاط الاقتصادي وضعف الاستثمار ومركزية القرار في المدن الكبرى. وظلت الحرف التقليدية والأسواق المحلية تؤدي دوراً مهماً، فيما بدأت السياحة تظهر تدريجياً منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، مدفوعة بجاذبية الأزقة والعمارة والطبيعة المحيطة والمنتجات المحلية.
كيف صُنعت صورة «اللؤلؤة الزرقاء»؟
توضح الدراسة أن صورة المدينة لا تتشكل من المباني وحدها؛ بل تسهم في بنائها الصور الفوتوغرافية والأدلة السياحية والسينما والتلفزيون والمهرجانات والشعارات والمبادرات المحلية. ومن هنا برز مفهوم التسويق الترابي، أي استخدام هوية المكان وخصائصه الثقافية والطبيعية لتقوية جاذبيته لدى الزوار والمستثمرين، مع السعي إلى الحفاظ على عناصره المميزة.
وفي هذا السياق، اعتمد المجلس الجماعي سنة 2013 شعاراً بصرياً يروّج لشفشاون باعتبارها «اللؤلؤة الزرقاء». واستندت الصورة إلى ألوان المدينة العتيقة، وإلى تراثها المعماري الأندلسي، وحدائقها وعيونها، فضلاً عن موقعها ضمن مجال طبيعي ذي قيمة بيئية. وأصبح اللون الأزرق عنصراً مركزياً في الهوية السياحية التي يجري تقديمها للزوار.
التراث العمراني في قلب الصورة
ترميم الأسوار والأبواب، وصيانة المباني، وتحسين الأزقة والمرافق، ووضع ضوابط معمارية، كلها عناصر تربط التسويق السياحي بحماية النسيج التاريخي. فالصورة الترويجية تفقد مصداقيتها إذا لم تواكبها أعمال صيانة وتدبير مستدام للمدينة العتيقة.

الطبيعة والمهرجانات والسينما
لا تقتصر العلامة السياحية للمدينة على اللون الأزرق؛ إذ تربطها الدراسة كذلك بمؤهلاتها البيئية، ومنها المنتزه الوطني لتلاسمطان، وبانتمائها إلى مجال محمية المحيط الحيوي بين القارات للبحر الأبيض المتوسط. وتتيح هذه المؤهلات تقديم شفشاون بوصفها وجهة تجمع بين التراث العمراني والطبيعة الجبلية.
كما أسهمت المهرجانات الثقافية والفنية، من الموسيقى الأندلسية والصوفية إلى الشعر والتصوير والسينما، في توسيع صورة المدينة لتتجاوز مشهد الأزقة الملونة. وبرزت كذلك الإنتاجات التلفزيونية والسينمائية التي اتخذت من شفشاون موقعاً للتصوير، بما ساعد على نشر صورها لدى جمهور أوسع، وإن كان أثر هذه المبادرات على الاقتصاد المحلي ومدد إقامة السياح متفاوتاً.
بين التسويق السياحي وحياة السكان
ترى الدراسة أن بناء صورة جديدة للمدينة يطرح سؤالاً يتجاوز الجاذبية البصرية: إلى أي حد تتحول هذه الصورة إلى تحسين فعلي في حياة السكان؟ فالتأهيل الحضري، وتثمين الحرف، وحماية التراث، وخلق فرص اقتصادية، ينبغي أن تسير جنباً إلى جنب مع الترويج السياحي. كما أن مشاركة السكان والجمعيات المحلية ضرورية حتى لا تصبح الهوية الحضرية مجرد منتج موجه للزوار.
وتظل شفشاون، وفق هذا المنظور، أكثر من لون أزرق في الصور؛ فهي ذاكرة تاريخية، ومجال اجتماعي حي، وتراث معماري وثقافي، وبيئة طبيعية تحتاج إلى الحماية. واستدامة صورتها السياحية ترتبط بقدرتها على صون هذه العناصر وتحويلها إلى قيمة مشتركة تعود بالنفع على المدينة وسكانها.
المصدر الأكاديمي
المؤلف: Khalid Ghailane (خالد غيلان).
العنوان الأصلي: Du processus de production d’une nouvelle image de la ville de Chefchaouen (Rif occidental).
العنوان بالإنجليزية: The process of producing a new image of the city of Chefchaouen (Western Rif).
الصور التوضيحية: Unsplash، مع ذكر أسماء المصورين أسفل الصور.

