وثيقة بسيطة.. ورحلة إدارية مرهقة
حين تغيب الرقمنة، يتحول الحق في خدمة عمومية إلى عبء في الوقت والتنقل والتكلفة.
ما تزال مساطر إدارية عديدة بإقليم شفشاون تطرح سؤال نجاعة المرفق العمومي وقدرته على مواكبة التحول الرقمي، في وقت أصبح فيه الحصول على وثيقة عادية يفترض أن يتم بأقل جهد وفي آجال معقولة. فبدل أن تكون الجماعات الترابية والقيادات فضاءات قريبة من المواطن، يجد عدد من المرتفقين أنفسهم أمام مسارات إدارية تقليدية لا تزال مرتبطة بالحضور الشخصي والتنقل، حتى عندما يتعلق الأمر بوثائق يمكن، من حيث المبدأ، رقمنة طلبها وأداء رسومها وتتبعها وتسليمها عن بعد.
وتتضاعف صعوبة هذه الوضعية بالنسبة إلى مواطنين ينحدرون من جماعات بالإقليم ويقيمون اليوم في مدن أخرى لأسباب العمل أو الدراسة أو الاستقرار العائلي. فالحصول على شهادة أو نسخة أو وثيقة إدارية قد يفرض عليهم قطع مسافات طويلة، وتخصيص يوم كامل للتنقل والانتظار، فضلاً عن مصاريف النقل وفقدان وقت العمل. وهكذا تتحول خدمة يفترض أن تكون بسيطة إلى كلفة اجتماعية واقتصادية إضافية، لا يتحملها الجميع بالقدر نفسه، خصوصاً ذوي الدخل المحدود والأشخاص الذين يصعب عليهم التنقل.
ولا يتعلق الأمر بمجرد توفير حاسوب أو صفحة إلكترونية، بل بإعادة تنظيم الخدمة نفسها: نشر المساطر والوثائق المطلوبة والرسوم والآجال بوضوح، وإتاحة طلب الوثائق وتتبعها إلكترونياً، واعتماد الأداء الرقمي حيثما أمكن، مع تمكين المواطن من تسلم وثيقته بطريقة آمنة ومعترف بها قانونياً. كما أن نجاح الرقمنة يقتضي تأهيل الموظفين، وتوفير المساعدة للأشخاص غير المتمكنين من الوسائل الرقمية، وضمان حماية المعطيات الشخصية، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى حاجز جديد أمام الفئات الهشة أو سكان المناطق التي تعاني ضعف الاتصال بالإنترنت.
وأمام هذه الإكراهات، تبرز الحاجة إلى تدخل عملي من السلطات الإقليمية والجماعات الترابية والمصالح المعنية بالإدارة الرقمية، عبر جرد الخدمات التي ما تزال تتطلب الحضور، وتحديد جدول زمني لتبسيطها ورقمنتها، وإعلان مؤشرات واضحة حول آجال معالجة الطلبات وعدد الخدمات المتاحة عن بعد. فالمواطن لا يطلب امتيازاً استثنائياً، بل خدمة عمومية قريبة وشفافة تحترم وقته وكرامته، ولا تجعل استخراج وثيقة عادية سبباً في رحلة متكررة بين المدن والجماعات والقيادات. ويبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل الرقمنة وعداً مؤجلاً في بعض المرافق، بينما أصبحت في أماكن أخرى جزءاً أساسياً من العلاقة اليومية بين الإدارة والمرتفق؟

