تتصدر جماعة بني أحمد الشرقية وجماعة المنصورة وجماعة باب تازة وبني رزين بإقليم شفشاون مشهد المعاناة القاسية، حيث يجد آلاف المواطنين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع حصار مزدوج يفرضه واقع التهميش التقني من جهة، وقساوة التضاريس والمناخ من جهة ثانية، إذ أدت التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة إلى كشف هشاشة البنية التحتية، وتحويل دواوير مترامية الأطراف إلى جزر معزولة تفتقر لأبسط مقومات الربط بشبكات الاتصال والتيار الكهربائي.
وتتجاوز أزمة التغطية وشبكة الإنترنت في هذه الجماعات مجرد كونها “ضعفا في الخدمة”، لتصل إلى مستوى الانقطاع التام الذي يعطل مصالح الساكنة الحيوية، فالارتباط بالعالم الخارجي صار حلما بعيد المنال في ظل غياب أعمدة الإرسال الكافية، وتراجع جودة الخدمات المقدمة من طرف شركات الاتصال، وهو ما يضع الأسر في عزلة تامة عند وقوع الطوارئ الصحية أو الكوارث الطبيعية، فالوصول إلى خدمات الإغاثة يتطلب قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام بحثا عن “نقطة إرسال” تائهة بين الجبال.
وتسببت التساقطات المطرية الأخيرة في تكرار سيناريو انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، حيث تؤدي الرياح والأمطار إلى تضرر الأسلاك والمنشآت المتهالكة، مما يُغرق الدواوير في ظلام دامس، ويؤدي هذا الوضع إلى توقف الحياة اليومية وتلف المواد الغذائية والأدوية التي تحتاج تبريدا، بالإضافة إلى التأثير السلبي المباشر على تمدرس الأطفال الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن التحصيل العلمي في ظل غياب الإنارة، وتوقف الأجهزة الإلكترونية التي أصبحت ضرورة تعليمية لا ترفا.
وفي ذات السياق، يؤكد فاعلون جمعويون وسكان محليون من قلب هذه الدواوير أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل أو الوعود التي لا تجد طريقها للتنفيذ، فالمصالح المختصة، سواء تعلق الأمر بالشركة متعددة الخدمات أو شركات الاتصال أو السلطات الإقليمية، مطالبة بالتحرك الفوري والميداني لإصلاح الأعطال وتحديث التجهيزات، كما يشدد المواطنون على ضرورة وضع مخطط استباقي لمواجهة التقلبات المناخية، يضمن استمرارية الخدمات الأساسية تحت أي ظرف، ويرفع الحيف عن مناطق جبلية تساهم في النسيج الوطني لكنها تظل خارج أجندة التنمية الرقمية.
هذا ويظل إنهاء هذه العزلة الرقمية والكهربائية يتطلب استثمارات حقيقية في البنية التحتية لإقليم شفشاون، وتجاوز منطق الربح السريع الذي تعتمده بعض الشركات على حساب حقوق المواطنة، فالعدالة المجالية تقتضي توفير تغطية شاملة وشبكة كهرباء قوية تليق بكرامة سكان إقليم شفشاون، وتخرجهم من دائرة النسيان التي تبتلع تطلعاتهم كلما هطلت الأمطار، وتضع حدا لهذه الفجوة العميقة التي تفصل بين المغرب النافع رقميا والمناطق الجبلية المنسية خلف الضباب.

