تستمر الكارثة الطبيعية في إطباق حصارها على إقليم شفشاون، مخلفة وراءها واقعا مأساويا يتجاوز في حدته القدرة على التوصيف السريع، حيث تحول شتاء 2026 إلى كابوس يطارد القرى والجبال، بفعل تساقطات مطرية استثنائية لم تكتفِ بإغراق الأرض، بل زحزحت الجبال من أماكنها، وتسببت في محو معالم دواوير بأكملها من الخريطة السكنية للإقليم.
وفي هذا السياق، تُصنف هذه الكارثة الطبيعية التي تضرب إقليم شفشاون كحدث استثنائي خارج عن نطاق القياسات المعهودة في التاريخ الحديث للمنطقة، إذ لم يسبق للإقليم أن شهد هذا النوع من الانهيارات المتزامنة التي لم تكتفِ بقطع المسالك بل أدت إلى زحزحة طبقات الأرض واقتلاع دواوير من جذورها، وتكشف قوة التعرية المائية والانجرافات التي طالت جماعات تنقوب وتموروث والدردارة عن تحول بنيوي في طبيعة التهديدات المناخية، حيث تجاوزت الأضرار منطق الفيضانات الموسمية لتتحول إلى نكبة جغرافية شاملة غيرت معالم التضاريس الجبلية ووضعت قرى بأكملها في مواجهة مباشرة مع خطر الفناء السكني.
وتتصدر جماعة تنقوب قائمة المناطق المتضررة، بعد أن شهدت حدثا غير مسبوق تمثل في انهيار دوار كامل، حيث سويت بالأرض اثنان وثلاثون منزلا ومسجدان، وتحولت المسالك التي كانت تربط الساكنة بالعالم الخارجي إلى ركام من الأتربة والأوحال، مما جعل الوصول إليها يتطلب مجهودات خارقة، وفي جماعة تموروث لم يكن الوضع أقل قتامة، فقد سجل انهيار دوار “لبيار” بالكامل، إضافة إلى تصدعات خطيرة في دوار “أبوتان”، بينما تعيش دواوير “أصلحن” و”جبل العسري” حالة من الرعب نتيجة الانشقاقات الأرضية التي تتهدد ما تبقى من البنيان.
وتمتد رقعة الأضرار لتشمل جماعة باب برد، التي فقدت أكثر من عشرة منازل في دواوير “بورخة” و”مشات” و”العناصر” و”تمرزيت”، وسط ظهور شقوق أرضية تنذر بانهيارات وشيكة، أما في باب تازة، فقد أضحى دوار “تنغاية” عنوانا للمعاناة بعد أن جرفت السيول التربة وتسببت في قطع المسالك وسقوط الأشجار الكثيفة، وهو المشهد الذي تكرر في جماعة أونان بسقوط منازل في دواري “أولاسن” و”موطي”، وفي جماعة الدردارة، أدى طغيان السيول إلى جرف دوار “شقورة” تماما، مما تسبب في عزلة تامة لمن نجا من الساكنة.
وتعيش أغلب جماعات الإقليم حالة من الشلل التام، حيث انقطعت السبل بكل من بني رزين، بني صالح، بني دركول، أقشور، وتلامبوط، كما امتدت الانهيارات لتطال البنية التحتية المحيطة بمدينة شفشاون، وتحديدا في الطريق المؤدية إلى “رأس الماء” وحي “عين حوزي”، مما جعل الإقليم يبدو كجزر معزولة وسط محيط من الطين، وتزداد حدة هذه العزلة في دائرة بني أحمد، لا سيما في دوار “تيذا” العالق بين المنصورة وتموروث، والذي يواجه سكانه مصيرا مجهولا في ظل صعوبة وصول فرق الإغاثة.
ولم تتوقف الخسائر عند حدود الجدران والطرق، بل امتدت لتصيب الشبكات الحيوية، حيث غرق الإقليم في ظلام دامس نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عن معظم الدواوير، وتزامن ذلك مع انهيار كامل لخدمات الإنترنت والاتصالات، مما حال دون قدرة الأهالي على الاستغاثة أو التواصل مع ذويهم، ورغم محاولات الفرق التقنية للتدخل، فإن وعورة التضاريس واستمرار انجراف التربة يعيقان عمليات الإصلاح بشكل مستمر.
وطالت الأضرار المؤسسات العمومية أيضا، حيث سجل انهيار جزء من مدرسة “تفركيوان” بجماعة بني رزين، مما يضع مستقبل الموسم الدراسي في هذه المناطق على المحك، كما غمرت المياه منازل منطقة “لوطا” بقاع أسراس التابعة لجماعة تزكان، وسجلت حالات انهيار متفرقة في جماعات واد الملحة والمنصورة وبني سميح، لتظل الحصيلة مؤقتة وقابلة للارتفاع مع استمرار سوء الأحوال الجوية.

