يقف إقليم شفشاون اليوم أمام مرآة التاريخ ليسائل عقودا من الزمن الضائع الذي تبخر بين وعورة التضاريس ودهاليز التهميش، حيث لم تكن تلك السنين مجرد أرقام في مفكرة الإقليم بل كانت نزيفا حادا في شريان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ أجمع الفاعلون والمهتمون بالشأن المحلي على أن الإقليم خسر ما يربو عن ثلاثة عقود كاملة امتدت من السبعينات إلى مطلع الألفية الجديدة، وهي الحقبة التي شهدت فيها أقاليم مجاورة قفزات نوعية بينما ظلت “الجوهرة الزرقاء” رهينة عزلة جغرافية خانقة وغياب تام للبنية التحتية الطرقية التي كان من المفترض أن تربطها بالعمق الاستراتيجي للمملكة.
وفي هذا السياق، يعتبر التأخر الفادح في إخراج مشروع الطريق الرابط بين تطوان وشفشاون لم يكن مجرد عائق لوجستيكي عابر بل كان اغتيالا لفرص استثمارية كبرى كفيلة بنقل الإقليم إلى رتبة سياحية وتجارية عالمية، فالزمن الاقتصادي الذي أهدر في انتظار تعبيد المسالك وتوسعة المنعرجات الضيقة كلف الساكنة ثمنا باهظا تجلى في فقدان الجاذبية للمشاريع المهيكلة، ليبقى المسافر والمستثمر على حد سواء محاصرين في طريق وطنية تلتهم الدقائق والساعات بسبب وعورة المسلك وضيق الرؤية، مما جعل الفارق الزمني بين شفشاون ومحيطها الحضري في طنجة وتطوان يتسع ليصبح هوة تنموية يصعب ردمها في ظل التسارع الذي تشهده المناطق السهلية المجاورة.
وتتعمق مأساة هذا الإقليم حين نرصد مؤشرات التراجع والنكوص التي أصبحت السمة الغالبة على واقعه الراهن، فبدلا من أن تتصدر شفشاون تقارير النمو والازدهار أضحت تتبوأ مراتب الصدارة في مؤشرات الفقر والهشاشة، وهذا التقهقر لم يأت من فراغ بل هو نتاج طبيعي لسنوات من التماطل في تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى التي ظلت حبرا على ورق، مما دفع بجيل كامل من الشباب نحو الهجرة القسرية صوب المدن الكبرى بحثا عن أفق مفقود في موطنه الأصلي، لتتحول القرى والمداشر إلى فضاءات شبه مهجورة تعاني من وطأة الحرمان وغياب البدائل الاقتصادية المنتجة التي تضمن كرامة العيش.
وزاد من حدة هذه الأزمة البنيوية توالي سنوات الجفاف التي عمرت طويلا وأنهكت كاهل الفلاح البسيط الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد الإقليم، حيث اجتمعت قساوة المناخ وسوء الأحوال الجوية مع غياب السدود التلية والمنشآت المائية الكفيلة بتدبير الندرة، ليرسم هذا التداخل بين الطبيعة والسياسة لوحة قاتمة لواقع معيشي يزداد تعقيدا كلما تأخر التدخل الجذري، فالأرض التي كانت تنبض بالحياة أصبحت اليوم تشكو من الظمأ، والوديان التي كانت تتدفق بالخير صارت مجاري جافة تعكس عمق الخسارة التي لحقت بالإنسان والمجال على حد سواء.
ويظل السؤال القائم والمؤلم هو كم من الوقت يلزم شفشاون لاستدراك ما فات من قطار التنمية الذي تجاوزها بسرعات فائقة، وهل يمكن لخطط الإصلاح الحالية أن تمحو ندوب العقود الضائعة وتعيد للإقليم هيبته الضائعة بين المنعرجات.
“إن صناعة الخبر بمهنية ومسؤولية في عمق إقليم شفشاون تتطلب موارد وجهوداً ميدانية مستمرة، بدعمكم المباشر، تساهمون في استقلاليتنا وتضمنون استمرار صوتكم عالياً وحراً، استثمر في صحافة القرب لنمضي معاً نحو إعلام لا يقبل المساومة”

