تتجه الأنظار اليوم نحو منطقة العناصر بإقليم شفشاون بعد الإعلان الرسمي عن إدراج مشروع إعادة بناء “سد أيلة” ضمن البرنامج الوطني لإنجاز السدود، وهي الخطوة التي زفها وزير التجهيز والماء نزار بركة أمس الأربعاء عند ترؤسه لقاء حوض اللوكوس بشفشاون، واضعا بذلك حدا لسنوات من الانتظار والترقب لساكنة عانت طويلا من تبعات انهيار هذه المنشأة المائية الحيوية، حيث يأتي هذا القرار ثمرة ترافع مستمر وجهود مضنية دافعت عن هذا المطلب التاريخي بكل مسؤولية وإخلاص، إيمانا بالأدوار الاستراتيجية التي يلعبها السد في تحقيق التوازن البيئي ودعم الاقتصاد المحلي للمنطقة التي تضررت مواردها المائية بشكل بليغ منذ الحادث المأساوي الذي شهده الموقع قبل عقدين من الزمن.
ويعود شريط الذاكرة بسد أيلة إلى حقبة زمنية ذهبية جعلت منه تجربة رائدة وفريدة على مستوى الإقليم، فقد كان هذا الموقع خزان الحياة الذي يزود الضيعات الفلاحية بمياه السقي ويؤمن التزود بالماء الشروب، فضلا عن كونه فضاء سياحيا جاذبا استقطب في الخمسينيات والستينيات هواة صيد السمك من مختلف ربوع الوطن ومن الأجانب المقيمين بالمغرب، كما شكل السد مركزا مختبريا لتربية الأصناف السمكية تحت إشراف الدولة وبتنسيق مع محطات وطنية كبرى، مما جعل من جنباته ومسكن حارسه معلما يختزل قصصا إنسانية واجتماعية لا تزال محفورة في وجدان الأجيال التي عاصرت بريق تلك الحقبة واكتشفت فيه أولى ملامح الترفيه والتنمية الحقيقية.
ارتبط اسم السد بمشاريع فلاحية وعلمية طموحة تجاوزت حدود تدبير المياه لتشمل قطاع الغابات والمشاتل المتطورة، حيث شهدت المنطقة المحاذية له على بعد كيلومترين تجارب زراعية رائدة لاستنبات أصناف نادرة من أشجار “الجوز” المستوردة من دول يوغوسلافيا وأوروبا الشرقية، وكانت مشاتل مركز “عين سمليل” التابع لإدارة المياه والغابات الخلية الأولى لتطوير هذه الغطاءات النباتية، مما حول السد إلى قلب نابض لمنظومة إيكولوجية متكاملة توفر المياه وتدعم الغطاء الغابوي وتخلق فضاءات طبيعية كانت بمثابة مسبح مفتوح لشباب وتلاميذ المنطقة، ومجالا حيويا ساهم في الرفع من القيمة الاقتصادية للأراضي المحيطة به.
وتحولت هذه الدينامية التنموية إلى أطلال موحشة بعد الانهيار الكبير الذي تعرض له السد في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، نتيجة تراكم عوامل قلة العناية والإجهاد المفرط والظروف المناخية المتقلبة، وهو الأمر الذي خلف ندوبا غائرة في النسيج التنموي المحلي تمثلت في تراجع الموارد المائية وجفاف العديد من السواقي واختفاء تلك الفضاءات الخضراء التي كانت تشكل متنفسا للساكنة، وظل مطلب الإصلاح وإعادة البناء يتردد في كل المحافل والمناسبات الرسمية، لاسيما خلال الزيارات الميدانية لممثلي الإدارة الترابية، حيث كانت الساكنة تؤكد في كل مرة أن عودة الروح لهذا السد هي المدخل الأساس لرد الاعتبار للمنطقة وإنصاف أهلها الذين صبروا طويلا على وعود لم تتحقق.
ويجسد الإعلان الحالي عن برمجة إعادة بناء سد أيلة انتصارا لمنطق التنمية المجالية القائم على الإنصاف والاستجابة للمطالب المشروعة، فهو ليس مجرد مشروع تقني لبناء جدار خرساني بل هو إحياء لذاكرة منطقة بأكملها واستعادة لأدوار السد في الحماية من الفيضانات وتنمية القطيع وضمان السيادة المائية المحلية، وتأتي هذه الخطوة لتؤكد أن الترافع الرزين والمبني على معطيات واقعية يجد صدى طيبا لدى صناع القرار، خاصة في ظل التوجهات الملكية السامية الداعية إلى تسريع وتيرة إنجاز المنشآت المائية لمواجهة تحديات الإجهاد المائي وضمان العدالة في توزيع الموارد بين مختلف الجماعات القروية والحضرية.

