اعتبر الفاعل المدني والحقوقي سفيان الرباج، ابن منطقة بني رزين بإقليم شفشاون، أن ما يدور اليوم في كواليس منح التزكيات الحزبية يتجاوز التدبير التنظيمي العادي ليصل إلى مستوى المشهد الصادم، واصفا إياه بالأزمة العميقة التي تضرب جوهر الممارسة السياسية، حيث أكد في تدوينة له أن هناك حربا خفية وشرسة لا تعتمد معايير الكفاءة أو النزاهة أو المشاريع، بل تُحسم لغة المال والنفوذ والمصالح المشتركة، وهو ما يحول التزكية من آلية ديمقراطية لاختيار الأنسب إلى غنيمة توزع على “أصحاب الشكارة” في تكريس واضح لمنطق الرداءة الممنهج.
ورسم الرباج صورة قاتمة لعملية إقصاء الكفاءات وتهميش الأطر والنخب التي راكمت تجارب فكرية وعلمية وازنة، معتبرا أن استبعاد هؤلاء لمجرد عدم امتلاكهم لمفاتيح المال يعد طعنة في خاصرة التنمية، إذ يفتح الباب على مصراعيه أمام أشخاص يفتقدون للتكوين والرؤية والقدرة على صناعة القرار التشريعي، بينما تكمن ميزتهم الوحيدة في القدرة على تدبير الحملات الانتخابية بطرق مشبوهة أو شراء الذمم، وهو ما يهدد بتحويل المؤسسة البرلمانية من فضاء للتمثيل الشعبي إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية وحماية المصالح الضيقة.
وتساءل الناشط الحقوقي عن طبيعة الرسائل السلبية التي يتم بعثها للشباب المغربي حين يرى أن الاجتهاد والكفاءة لا قيمة لهما في سوق السياسة، وأن الطريق نحو المسؤولية مرتهن بالمال والعلاقات المشبوهة، محذرا من أن هذا العبث يضرب في الصميم منسوب الثقة في العملية السياسية برمتها، وأوضح أن استمرار هذا الوضع يشكل تهديداً مباشراً لفكرة الديمقراطية التي لا يجب أن تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل بجودة ونزاهة الأشخاص الذين يتم إيصالهم إلى تلك المؤسسات التمثيلية.
وشدد المتحدث في طرحه على أن “تسليع التزكيات” هو بمثابة اغتيال معنوي للسياسة بمعناها النبيل، داعياً إلى وقف هذا النزيف الذي يفرغ المؤسسات من محتواها، فالمرحلة الراهنة تقتضي حسب رؤيته وجود أصحاب ضمير وكفاءة في مراكز القرار وليس مجرد أثرياء يبحثون عن حصانة لمصالحهم، مؤكداً أن الوطن يحتاج إلى نخب تدرك جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها وتضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار مادي أو نفعي عابر.
وخلص الرباج في تدوينته بصرخة مدنية تطالب بوضع حد لهذا المسار التراجعي، مشيراً إلى أن بناء مغرب المؤسسات لا يمر عبر تزكية “الأعيان” بأساليب لا ديمقراطية، بل عبر إعادة الاعتبار للمناضل الحقيقي والكفاءة الوطنية، لأن الرهان اليوم هو رهان جودة التشريع وجودة السياسات العمومية، وهي مهام تتطلب عقولا قادرة على التحليل والنقاش وليس مجرد أرقام انتخابية تُستخدم لملء المقاعد وتحقيق الأغلبية العددية على حساب الكيف والجودة.

