كشفت دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في “المجلة الدولية للمحاسبة والتمويل والتدقيق والإدارة والاقتصاد” (IJAFAME) لعام 2026، عن رؤية استراتيجية جديدة لمكانة الشباب المغربي في بناء المشاريع الترابية.
وأكدت الدراسة، التي أعدها الباحثان سلمى أسعدي وعادل زبادي، على ضرورة القطع مع المقاربات التقليدية التي تصنف الشباب كـ “مشكلة” اجتماعية، والتوجه بدلا من ذلك نحو اعتبارهم “حلا” محوريا ورافعة استراتيجية لتحقيق التنمية المحلية، خاصة في المناطق المتوسطة والقروية.
واختارت الدراسة مركز “الجبهة” التابع لإقليم شفشاون كنموذج ميداني للتحليل، حيث اعتمد الباحثان على منهجية كيفية دقيقة شملت مقابلات معمقة مع عينات شبابية وتحليلاً لوثائق رسمية وتقارير دولية، وخلصت النتائج إلى وجود تباين في مستويات الانخراط الترابي، حيث برزت فئة “المقاولين الترابيين” كقوة مبادرة تملك قدرة عالية على الاستخدام البراغماتي للمؤسسات، مقابل فئات أخرى ما زالت تعاني من “الانسحاب القسري” نتيجة الهشاشة الاقتصادية وضعف الوصول إلى المعلومة.
وسلط البحث الضوء على معطى رقمي مثير للاهتمام، حيث أظهر أن نحو 46.6% من الشباب المستهدف هم من “المنخرطين بنقد”؛ وهم فئة من الخريجين والنشطاء الجمعويين الذين يملكون وعيا عاليا بمتطلبات التنمية، لكنهم يبدون عدم ثقة في الآليات الرسمية للمشاركة، وهذا الواقع يفرض على الفاعلين المحليين بإقليم شفشاون وجهة طنجة – تطوان – الحسيمة إعادة النظر في قنوات التواصل المؤسساتي وتوسيع قاعدة “البناء المشترك” للمشاريع المحلية لضمان إدماج هذه الطاقات المعطلة.
وفي تحليلها للعوائق، حددت الدراسة أن مشاركة شباب منطقة “الجبهة” تظل مقيدة ببنى مؤسساتية صلبة وعدم تكافؤ في توزيع الموارد الترابية، رغم ما يظهره هؤلاء الشباب من ارتباط قوي بالأرض ورغبة أكيدة في التطوير، واعتبرت الدراسة أن هذه الرغبة تشكل فرصة غير مستغلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، شريطة توفر حكامة شاملة تمنح الشباب صلاحيات حقيقية في اتخاذ القرار بعيدا عن الصورية.
وخلصت الدراسة الأكاديمية بحزمة من التوصيات العملية الرامية إلى تعزيز جاذبية إقليم شفشاون، وعلى رأسها إحداث “شباك وحيد” لدعم الشباب في صياغة ومواكبة مشاريعهم، وتطوير سلاسل القيمة في قطاع الصيد البحري عبر تعاونيات شبابية مبتكرة، كما شدد الباحثان على أهمية تمكين المجالس الاستشارية للشباب عبر منحها ميزانيات مستقلة، بما يضمن تحويل الأفكار الشبابية إلى واقع ملموس يسهم في إشعاع المنطقة سياحيا واقتصاديا.

