بين مؤهلات جبلية وسياحية لافتة، ومشكلات متكررة في الخدمات الأساسية، تبدو جماعة باب برد بإقليم شفشاون أمام سؤال تنموي يتجاوز أزمة عابرة أو ملفاً قطاعياً واحداً: لماذا لا ينعكس ما تزخر به المنطقة من موارد طبيعية وموقع جبلي على تحسن واضح ومستدام في ظروف عيش السكان؟ وتمنح الأرقام الرسمية، إلى جانب ملفات الماء والصحة والمنتزهات، صورة أكثر دقة عن حجم التحدي وحدود المسؤوليات.
الأرقام تكشف تراجعاً في المجال القروي ونمواً في المركز
تُظهر معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن عدد سكان جماعة باب برد بلغ 24,743 نسمة سنة 2024، مقابل 25,872 نسمة سنة 2014؛ أي بانخفاض قدره 1,129 نسمة، أو نحو 4.4% خلال عشر سنوات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية أكبر عند تفكيكها بحسب المجال، بدل الاكتفاء بالرقم الإجمالي.
| المؤشر | 2014 | 2024 | التغير |
|---|---|---|---|
| مجموع سكان الجماعة | 25,872 | 24,743 | −4.4% |
| سكان المركز الحضري | 4,977 | 5,947 | +19.5% |
| السكان خارج المركز الحضري* | 20,895 | 18,796 | −10.0% |
| عدد الأسر | 4,932 | 5,557 | +12.7% |
* رقم السكان خارج المركز الحضري لسنة 2024 محسوب بطرح سكان المركز الحضري من إجمالي سكان الجماعة، استناداً إلى بيانات الإحصاء؛ أما بيانات 2014 فترد في جدول المندوبية حسب الوسط.
وتكشف المقارنة مفارقة لافتة: فقد ارتفع عدد سكان مركز باب برد بنحو 970 نسمة، بينما تراجع عدد السكان خارج المركز بأكثر من ألفي نسمة. كما ارتفع عدد الأسر من 4,932 إلى 5,557 أسرة رغم انخفاض عدد السكان الإجمالي. ويمكن أن تعكس هذه الأرقام تحولات في الهجرة الداخلية وحجم الأسر وتوزع السكان، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الأسباب؛ وهو ما يستدعي معطيات أدق حول الهجرة وفرص العمل والخدمات في الدواوير. ومع ذلك، فإن التراجع في المجال القروي يضع مسألة الطرق والمسالك والخدمات القريبة في صلب النقاش التنموي.
أزمة الماء: بين انقطاع الخدمة ومشاريع لم تصل بعد إلى مرحلة الإنجاز
عاد ملف التزود بالماء الصالح للشرب إلى الواجهة في بداية أكتوبر 2026، بعدما نشرت وسائل إعلام محلية شكاوى لسكان مركز باب برد من انقطاع دام، وفق ما نقلته تلك التقارير، قرابة أسبوعين. وتحدثت تغطية محلية يوم 4 أكتوبر عن لقاء مع الجهات المعنية وتوقعات بعودة الخدمة في غضون ثلاثة أيام، بينما استمر مطلب السكان بالكشف عن أسباب الخلل وضمان عدم تكراره. ولم نعثر، أثناء إعداد هذا التقرير، على بلاغ رسمي منشور يوضح بشكل مفصل مآل الانقطاع ومدى انتظام التزويد بعد تلك التوقعات.
وفي المقابل، نشر موقع «شاوني» في 17 أكتوبر معطيات طلب عروض لبناء ثلاثة خزانات لتوزيع الماء لفائدة دواوير تابعة للجماعة، بكلفة تقديرية تبلغ 4,297,980 درهماً وبسعة إجمالية تصل إلى 350 متراً مكعباً. وحدد ملف الطلب موعد فتح الأظرفة في 11 نونبر 2026، مع مدة إنجاز تبلغ ثمانية أشهر من تاريخ إصدار أمر بدء الأشغال. وبذلك، فإن الأمر يتعلق بمشروع مرتقب لم يكن قد وصل، عند إعداد هذا التقرير، إلى مرحلة الإنجاز؛ كما أن الإعلان عن الصفقة لا يثبت وحده أنها ستحل كل مشاكل التزويد، إذ يتوقف أثرها على مواقع الخزانات، وربطها بالشبكات، وتوفر الموارد المائية، وطريقة تشغيل المنظومة.
هنا تبرز ضرورة نشر معلومات عملية واضحة: ما الدواوير المستفيدة من الخزانات الثلاثة؟ وما مصدر المياه؟ وهل تشمل الأشغال تقوية الشبكة أم التخزين فقط؟ وما البرنامج المعتمد لتأمين التزويد خلال فترات الانقطاع؟ ولا يصح تحميل المجلس الجماعي وحده مسؤولية جميع أعطاب الماء، لأن التدبير التقني والتوزيع تتداخل فيهما اختصاصات جهات ومؤسسات متعددة؛ لكن ذلك لا يعفي مختلف المتدخلين من توضيح الأدوار والآجال وتقديم حصيلة قابلة للتحقق.
الخدمات الصحية.. ملف مطروح في البرلمان دون حسم ظاهر في المعطيات المنشورة
لا تقتصر المؤشرات على الماء. فقد تناول سؤال كتابي منشور في موقع مجلس النواب سنة 2024 وضعية المركز الصحي بجماعة باب برد، وأشار إلى خصاص في التجهيزات الطبية واللوجستيكية وصعوبات الولوج إلى العلاج، خصوصاً في الحالات الاستعجالية وتتبع الحمل والأمراض المزمنة. كما يظهر في السجل البرلماني سؤال آخر حول وضعية المركز الصحي، رقم 24545، دون جواب منشور في الصفحة التي راجعناها وقت إعداد هذا التقرير.
ولا تعني الأسئلة البرلمانية، في حد ذاتها، أن كل ما ورد فيها حُسم رسمياً، لكنها تؤكد أن الملف طُرح داخل المؤسسة التشريعية ويحتاج إلى أجوبة موثقة حول عدد الأطر الطبية والتمريضية، وساعات العمل، والتجهيزات المتوفرة، والخدمات التي يقدمها المركز فعلياً. وفي منطقة جبلية تتباعد دواويرها وتتأثر طرقها بالأمطار والثلوج، فإن أي نقص في العرض الصحي يضاعف تكلفة العلاج على الأسر، سواء من حيث التنقل أو الوقت أو صعوبة الوصول في الحالات المستعجلة.
منتزه تيزيران.. مؤهلات طبيعية تنتظر التجهيز والاستثمار
يمثل منتزه جبل تيزيران أحد أبرز المؤهلات التي يمكن أن تفتح أمام باب برد باباً اقتصادياً مكملاً للأنشطة التقليدية، خصوصاً السياحة الجبلية والشتوية. غير أن سؤالاً كتابياً حول تأهيل المنتزه، منشوراً ضمن قاعدة مجلس النواب، تطرق إلى غياب مرافق استقبال أساسية من قبيل المراحيض وفضاءات الألعاب والمقاهي والمطاعم. كما أُعيد طرح الموضوع في سؤال برلماني لاحق تناول إمكان تثمين تيزيران كوجهة سياحية شتوية، مع الإشارة إلى تحديات الولوج والتجهيز والسلامة خلال فترات تساقط الثلوج.
والفجوة هنا ليست في الطبيعة أو المناظر، بل في تحويل المؤهل إلى عرض سياحي آمن ومنظم: طريق قابلة للاستعمال في الشتاء، وعلامات توجيه، ومرافق صحية، ونقاط إسعاف واتصال، ومسارات للمشي، وفضاءات منظمة للمقاولات والتعاونيات المحلية. ومن دون هذه العناصر، يصعب أن تتحول الزيارات الموسمية إلى دخل قار يخلق فرص عمل للشباب ويستفيد منه التجار وأصحاب الخدمات.
لماذا يتكرر الجدل حول تدبير الشأن المحلي؟
تتكرر في النقاش العمومي المحلي أسئلة حول نجاعة تدبير الملفات الأساسية، وشفافية التواصل بشأن المشاريع، والفرق بين الاعتمادات المعلنة والنتائج التي يلمسها السكان. وقد تناولت تغطيات محلية سابقة وضعية السوق الأسبوعي، بما في ذلك شكاوى تتعلق بالنظافة وتصريف المياه وشروط بيع بعض المواد الغذائية، وهي نقاط تحتاج إلى معاينة ميدانية منتظمة وتوضيح من المصالح الجماعية والصحية المختصة.
ومهنياً، ينبغي التمييز بين مسؤولية المجلس في تدبير اختصاصاته المحلية والتنسيق وتتبع المشاريع، ومسؤولية القطاعات والمؤسسات التي تدبر الماء والصحة والطرق والمرافق السياحية. لكن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى تبادل للمسؤوليات أو إلى غموض يصعب معه على المواطن معرفة الجهة المكلفة والموعد المنتظر للحل. والمطلوب هو إعلان واضح عن صاحب المشروع، والجهة الممولة والمنفذة، ونسبة تقدم الأشغال، والآجال، ومؤشرات الخدمة بعد التسليم.
من الانتقادات إلى المحاسبة بالأرقام
الخروج من هذا الوضع يتطلب الانتقال من ردود الفعل الموسمية إلى نشر حصيلة قابلة للقياس. ويشمل ذلك إتاحة ميزانية الجماعة ونسبة تنفيذها، ولائحة المشاريع المنجزة والمتعثرة وأسباب التأخر، وتحديد الدواوير المستفيدة من مشاريع الماء، وتحيين معطيات المركز الصحي وأطره وخدماته، ووضع برنامج معلن لتأهيل السوق الأسبوعي ومنتزه تيزيران وصيانة الطرق والمسالك قبل الشتاء.
كما تبرز الحاجة إلى اجتماعات تواصلية دورية مع السكان والجمعيات، لا تكتفي بتقديم الوعود، بل تعرض محاضر الاجتماعات والقرارات والآجال ومؤشرات التنفيذ. ولم نعثر، في المصادر المفتوحة التي راجعناها لإعداد هذا التقرير، على بيان واحد حديث يجمع حصيلة هذه الملفات ويحدد مآلها بالتفصيل؛ وتظل «شاوني» منفتحة على نشر أي توضيحات أو معطيات موثقة يقدمها المجلس الجماعي أو الشركة الجهوية متعددة الخدمات أو السلطات والقطاعات المعنية.
المصادر والوثائق
- المندوبية السامية للتخطيط: نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024.
- المندوبية السامية للتخطيط: السكان والأسر بإقليم شفشاون حسب الجماعات في إحصاء 2004 و2014.
- مجلس النواب: سؤال كتابي حول خصاص المركز الصحي بجماعة باب برد.
- مجلس النواب: سؤال كتابي رقم 24545 حول وضعية المركز الصحي بباب برد.
- مجلس النواب: سؤال بشأن تأهيل منتزه جبل تيزيران بباب برد.
- شاوني: تفاصيل طلب عروض إنجاز ثلاثة خزانات للماء بكلفة تقديرية تناهز 4.3 ملايين درهم.
- شاوني: أزمة التزود بالماء في باب برد ومطالب السكان بتوضيحات.

