أطلقت الحكومة المغربية، عبر قرار رئيس الحكومة رقم 3.54.25 وقرار 3.52.25 الصادرين في 31 أكتوبر 2025 بالجريدة الرسمية، نظاما جديدا للدعم الخاص الموجه للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، يقوم على منح ترابية وتحفيزات قطاعية مرتبطة بطبيعة الأنشطة الاستثمارية، ويهدف هذا النظام إلى تنشيط النسيج الاقتصادي الوطني وتقليص الفوارق المجالية، من خلال توجيه جزء مهم من الدعم نحو الأقاليم التي تعاني خصاصاً في الاستثمارات وفرص الشغل.
ويبرز إقليم شفشاون بقوة ضمن هذه الخريطة الجديدة، بعدما تم إدراجه في الملحق المرفق بقرار رئيس الحكومة ضمن “الفئة أ” من العمالات والأقاليم التي تستفيد المشاريع المنجزة داخل نفوذها الترابي من منحة ترابية تبلغ 10% من مبلغ الاستثمار القابل للاستفادة من المنح، وهذا التصنيف يمنح الإقليم موقعا تفضيليا مقارنة بعدد من المجالات الترابية الأخرى، ويحول شفشاون إلى وجهة أكثر جاذبية للمستثمرين والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
عمليا، يتيح هذا النظام للمقاولة التي تنجز مشروعا استثماريا داخل إقليم شفشاون وفي إطار الأنشطة المحددة ذات الأولوية، أن تستفيد من دعم مالي مباشر يخفف من كلفة الاستثمار، بالإضافة إلى إمكانيات المواكبة والتمويل التي توفرها المنظومات البنكية وصناديق الدعم العمومية. وهو ما يشكل متنفسا حقيقيا للمقاولات المحلية التي تشتغل في ظروف صعبة، كما يفتح أمام شباب الإقليم آفاقا جديدة لإخراج مشاريعهم إلى أرض الواقع.
وتكتسي لائحة الأنشطة ذات الأولوية التي حددها قرار رئيس الحكومة أهمية خاصة بالنسبة لشفشاون، لأنها تلتقي مع المؤهلات الطبيعية والبشرية للإقليم، فالقرار يمنح أولوية واضحة للصناعات الغذائية والتحويلية، مثل تحويل المنتجات ذات الأصل النباتي والحيواني، وتحويل وتحضير وحفظ المنتجات البحرية وتربية الأحياء المائية، وفي منطقة فلاحية بامتياز مثل شفشاون، يمكن أن يترجم ذلك إلى وحدات لتحويل الزيتون، والتين، والأعشاب العطرية والطبية، والحليب ومشتقاته، عوض بيعها خاماً وبقيمة مضافة ضعيفة.
كما يضع القرار الصناعات التقليدية الإنتاجية ضمن لائحة الأنشطة المدعومة، وهو ما ينسجم تماما مع الهوية الاقتصادية والثقافية لشفشاون، فالإقليم يعتبر من أهم الأقطاب الوطنية في الصناعة التقليدية، سواء في النجارة أو النسيج أو الجلود أو المنتوجات الحرفية المرتبطة بالسياحة، وتمكين الحرفيين من تأسيس مقاولات مهيكلة تستفيد من الدعم والمنح سيُسهم في إخراجهم من دائرة الهشاشة، وتحويل حرفهم إلى مصدر دخل قار ومناصب شغل مستدامة.
وعلى المستوى السياحي، يمنح القرار مكانة خاصة لمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة والمطاعم السياحية، مع استثناء الإقامات العقارية السياحية ذات الطابع المضارباتي، وبالنظر إلى المكانة التي باتت تحتلها شفشاون كوجهة سياحية وطنية ودولية، فإن دعم إنشاء وتجهيز فنادق صغيرة ودور ضيافة ومطاعم سياحية منظمة، سيساهم في الارتقاء بجودة العرض السياحي، وتنظيم القطاع غير المهيكل، وخلق فرص عمل جديدة لفائدة شباب المدينة والقرى المجاورة.
ولا يقتصر أفق هذا النظام على الأنشطة التقليدية فقط، بل يمتد أيضا إلى الاقتصاد الرقمي والخدمات المبتكرة، إذ يعتبر القرار أنشطة ترحيل الخدمات، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وخدمات المعلوميات، وتطوير البرمجيات والتطبيقات، من بين المجالات ذات الأولوية، وبالنسبة لإقليم مثل شفشاون، فإن تشجيع هذا النوع من الاستثمارات يمكن أن يساهم في كسر الصورة النمطية عن الإقليم كمنطقة جبلية معزولة، ودمجه في دينامية الاقتصاد الرقمي عبر مقاولات ناشئة يشرف عليها شباب الإقليم.
كما يفتح القرار الباب واسعا أمام مشاريع الاقتصاد الأخضر، خاصة تلك المتعلقة بإعادة تدوير وتحويل النفايات غير المستوردة، ومعالجة المياه والتطهير، والتخزين المنظم، وهي مجالات حيوية بالنسبة لإقليم يتوفر على رصيد طبيعي حساس مثل المنتزه الوطني لتالاسمطان ومنطقة أقشور، ويمكن لهذا التوجه أن يربط بين حماية البيئة وخلق قيمة اقتصادية وفرص عمل، في إطار نموذج تنموي محلي يقوم على الاستدامة.

