بينما يخطو المغرب بخطى حثيثة نحو المستقبل، وبحلول عام 2026 الذي كان يُفترض أن يكون عنوانا للنهضة الشاملة، يبدو أن جماعة “تروال” بإقليم وزان قد اختارت طواعية التخلف عن الركب، والعيش في “جلباب الثمانينات”.
وهنا، في قلب مغرب الجهوية المتقدمة، لا تزال مظاهر التهميش تفرض سطوتها، وكأن النداءات الملكية الداعية لعدم السماح بـ “مغرب بسرعتين” لم تجد طريقها بعد إلى مكاتب المجلس الجماعي لتروال.
وفي هذا السياق، كشفت التساقطات المطرية الأخيرة المستور، ورفعت الستار عن واقع مرير يعيشه سكان “دوار أمالو” (فرقة الزيتون)، حيث انتشرت صور وصلت إلى حوزة منصة “شاوني”، تظهر مسالك طرقية تحولت إلى مستنقعات من الأوحال، تعزل الساكنة وتجعل من أبسط التنقلات اليومية —سواء للمرضى أو تلاميذ المدارس— رحلة عذاب محفوفة بالمخاطر.

وهذا المشهد الذي بات “نشازا” في القرى المغربية الحديثة، يطرح تساؤلا مشروعا؛ أين هي ميزانيات التنمية؟ وأين هي الوعود الانتخابية التي بُنيت على أساس النهوض بالبنية التحتية؟
ففي الوقت الذي ينهمك فيه المجلس الجماعي لتروال في تسويق “إنجازات” لا تظهر إلا في التقارير والاجتماعات، يطالب السكان بما هو أدنى من “الإسفلت” و”التبليط”؛ يطالبون فقط بتهيئة المسالك بـ “حجر الواد” لضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وحرية التنقل.
كما أن الإصرار على تسيير الجماعة بـ “سرعة حلزونية” لا يضرب فقط في عرض الحائط آمال الساكنة، بل يعاكس بشكل صريح الرؤية الملكية الرشيدة التي تشدد على ضرورة تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الحواضر والبوادي.

سكان دوار أمالو، ومعهم غيورون من أبناء الجماعة، يرفعون أصواتهم اليوم عاليا، ليس طلبا للترف، بل للمطالبة بالخروج من هذا “المستنقع الآسن” الذي حُبسوا فيه لعقود.
وأمام هذا الوضع المزري، يُطرح سؤال حول ما إذا كانت الجهات المختصة ستتحرك لفتح تحقيق في تعثر المشاريع التنموية بجماعة تروال؟ وهل سيستفيق المجلس الجماعي من سباته ليدرك أن قطار التنمية لا ينتظر المترددين؟ الصور القادمة من “أمالو” ليست مجرد لقطات لوحل، بل هي دليل فشل صريح لتدبير محلي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة قبل أن يغرق ما تبقى من أمل في طين العزلة.

والعجز عن توفير طريق معبدة لفك العزلة عن دوار أمالو، ليس مجرد “نقص في الإمكانيات”، بل هو شهادة عجز رسمية لسياسة تدبيرية فاشلة امتدت لعقود، فمنذ سنوات طويلة، والساكنة تقتات على الوعود الجوفاء، بينما تهدر ميزانيات ضخمة وتُبتلع في دهاليز تسيير يفتقد للبوصلة.
وبدون أدنى شد فتعبيد طريق، الذي يمثل “أضعف الإيمان” في أبجديات التنمية القروية، تحول في جماعة تروال إلى حلم بعيد المنال، لا لندرة الموارد، بل بسبب سوء التوزيع والإصرار على تجاهل الأولويات، فكيف يُعقل أن تمر عقود من الزمن، وتتعاقب المجالس، وتصرف الاعتمادات، ولا يجد المواطن في “أمالو” إلا الوحل والمآسي؟ إن هذا الفشل الذريع ليس مجرد تقصير، بل هو عجز تنموي، يعكس استهتارا صارخا بكرامة الساكنة وإجهاضا متعمدا لكل فرص اللحاق بركب المغرب الحديث.

إن ما سطرناه في هذا المقال ليس مجرد “إنشاء صحفي” أو مزايدات سياسية، بل هو ترجمة أمينة لواقع مرير وثقته العدسات؛ فالصور التي توصلت بها “جريدة شاوني” من قلب دوار أمالو هي الدليل القاطع والبرهان الساطع الذي لا يترك مجالا للشك أو النكران.
كما اننا لا نتحدث من فراغ، بل ننقل صرخات صامتة تجسدها مشاهد “الأحذية المغروسة في الطين” و”المسالك التي تشبه الخنادق” في زمن الذكاء الاصطناعي، وهذه الصور الصادمة والواقعية تضع المجلس الجماعي لتروال أمام المرآة، ليرى “إنجازاته” الحقيقية بعيدا عن صالونات الاجتماعات المكيّفة؛ إنها وثائق تاريخية تدين سنوات من الإهمال وتؤكد أن جماعة تروال لا تبيع للساكنة سوى “الوهم”، بينما يغرق الواقع في وحلٍ لا يرحم.

