يبدو أن جماعة “المنصورة” بإقليم شفشاون وكأنها استثناء خارج مفكرة العقل التدبيري، هنا، لا يزال المستوصف الصحي المحلي صامدا في وجه التغيير لأكثر من عقدين، ليس صمودا بطوليا، بل صمودا يجسد التهميش والجمود البنيوي الذي يفاقم معاناة الساكنة يوما بعد يوم، في الوقت الذي يقطع فيه المغرب أشواطا نحو تعميم التغطية الصحية الشاملة وتحديث البنيات التحتية الطبية، والمضي قدما نحو مغرب آخر تؤكد فيه أعلى سلطة في البلاد أن “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”.
ويؤكد جلالة الملك محمد السادس في خطاباته على ضرورة تجاوز “مغرب السرعتين”، داعيا إلى تنمية متوازنة تضمن كرامة المواطن أينما وجد، إلا أن واقع الحال في جماعة المنصورة يعكس هوة شاسعة بين الطموح الوطني والواقع المحلي.
فالمستوصف الحالي، الذي تجاوز عمره العشرين عاما دون أدنى التفاتة تجديدية، يفتقر لأبسط الشروط الصحية والمعايير التقنية المعمول بها، غياب التجهيزات الطبية الحديثة، وتهالك البنية التحتية، يحول زيارة المريض إلى رحلة معاناة إضافية بدلا من أن تكون محطة للعلاج والاطمئنان.
ومن يدخل للمستوصف المذكور، لا يُمكنه أبدا أن يُحس بنفسه في مرفق صحي، قد يكون في مكان آخر أقل قيمة من هذه التسمية، إلا أن الجهات المسؤولة وفي مقدمتها وزارة الصحة تُمعن في نسيان العالم القروي، مع العلم، جماعة المنصورة مجرد نموذج فقط.
ولا تقتصر الأزمة على الجدران المتهالكة، بل تمتد لتشمل الخصاص المهول في الموارد البشرية، وبحسب شهادات استقتها منصة “شاوني” من الساكنة المحلية، فإن تدبير هذا المرفق الحيوي يقع على عاتق ممرض واحد يجد نفسه مجبرا على القيام بمهام متعددة تفوق طاقته البشرية والمهنية.
وفي مفارقة لافتة، تشير الساكنة إلى وجود ممرضتين بالمركز، غير أن مهامهما في “توليد الحوامل” تظل معطلة أو غير مفعلة بالشكل الذي يجنب نساء الجماعة مشقة التنقل نحو مراكز حضرية بعيدة في ظروف مخاض حرجة، مما يضع حياة الأمهات والمواليد على المحك.
ومن خلال تواصلنا مع عدد من مواطني الجماعة، تتبلور المطالب في نقاط استعجالية أبرزها؛ بناء مركز صحي جديد بمواصفات معمارية وطبية تليق بتاريخ الجماعة وحجمها الديموغرافي، وتوفير آليات طبية حديثة وأدوية أساسية تنهي حقبة “المستوصف المتهالك”، بالإضافة إلى تعزيز الكادر الطبي وتوفير موارد بشرية وممرضين متخصصين، وتفعيل دور مصلحة الولادة بشكل حقيقي.
يذكر أن الوضع الصحي بجماعة المنصورة لم يعد شأنا محليا ضيقا، بل هو اختبار لمدى جدية المصالح الإقليمية والجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية في تنزيل ورش الإصلاح الملكي، فالساكنة اليوم لا تنتظر وعودا، بل تنتظر آليات حفر تبشر ببناء مرفق يحترم إنسانيتهم، وقرارات إدارية تعيد الروح لمستوصف فارق الحياة منذ أمد بعيد.
ومع تفاقم الوضع، ارتفع منسوب الوعي الجماعي لدى ساكنة جماعة المنصورة، التي لم تعد تقبل بأنصاف الحلول أو “الترميمات الترقيعية” لمرفق استنفد صلاحيته الزمنية والتقنية، وتتعالى اليوم أصوات المواطنين والفعاليات المحلية بضرورة تشييد منشأة صحية حديثة ومندمجة، تعكس في تصميمها وتجهيزاتها حجم الجماعة ومكانتها التاريخية.

